|
الحياة الرهبانية بحسب
القديس الذهبي الفم
للمطران
بولس يازجي متروبوليت حلب للروم الأرثوذكس
هناك مفهوم أساسي- إسختولوجي البنية- ينطلق منه الذهبي الفم، وكل
الآباء أيضاً وأدبنا النسكي عامة، وهو أن الفضائل والنسك عامة هي وسائل
وليست غاية وهدفاً. هي وسائط تؤهلنا إلى عمل "الروح القدس" فينا أو
تجذبه، إن أمكن التعبير، أي تسمح له أن يعمل فينا، أما الغاية المنشودة
فهي "المحبة"، المحبة التي لا تتطلب ما لذاتها إنمَّا ما للآخرين.
المحبة هذه ليست فضيلة ولكنها نتيجة ونهاية وغاية الفضائل جميعها
وقصدها. النسك والجهاد والفضائل كلها هي من فنون هذا الدهر، أما
"المحبة" فهي فن الدهر الآتي. أسمى شكل من أشكال محبة الآخرين، والمحبة
القصوى للآخرين، تحققها الحياة الرهبانية.
في البداية، علينا أن نسجّل الملاحظة الغريبة التالية وهي أن قديسنا
الذهبي الفم على الرغم من أنه لم يكتب "نسكيات"، ولم يسهب في بحوث
رهبانية، كآخرين، ولم يؤسس تقليداً أو مدرسة رهبانية، ولم ينشئ
أدياراً، فإنه يبقى أبداً أقرب آبائنا القديسين إلى قلوب الرهبان وأحب
معلمي الرهبنة إليهم. هذا لا يعود فقط إلى القداس الإلهي الذي يحمل
اسمه، لكن يعود بشكل أساسي وأعمق إلى صحة شروحاته التي تعبر بصفاء عن
تقليدنا الأرثوذكسي، ولحلوله الإسختولوجية الواضحة الصريحة، هذه الحلول
والمواقف التي تنطبق كلياً على الحياة الإنجيلية الكاملة التي تكرست
لها نفس كل راهب.
وإنه للافت للانتباه أن مؤلفات الذهبي الفم هي الأكثر عدداً في مختلف
مكتبات الأديار الرهبانية، وهذه المؤلفات تشكل الجزء الأساسي والأكبر
من كل القراءات التي يتلوها الرهبان على موائدهم أو في قلاليهم أيضاً.
من ناحية أخرى، إن تأثير القديس على الآباء النساك والهدوئيين الذين
بعده واضح جداً، الأمر الذي حدا بكاسيانوس الرومي إلى القول أن الذهبي
الفم سيبقى أبداً من أكبر المعلمين الرهبانيين. والمميز عند الذهبي
الفم والخاص به، أننا سنضطر إلى دراسة فكرته ولاهوته في الرهبنة وذلك
من خلال نصوص موجهة في غالبيتها إلى مؤمنين يحيون في العالم، وليسوا
متوحدين. لهذا من الطبيعي أن نلاحظ اهتمامه بعرض جوهر الحياة الرهبانية
وهدفها، نسكها، وطرق عيش جوهر هذه الحياة في العالم من قبل كل المؤمنين
في الكنيسة.
حياة ملائكية وفردوسية:
الرهبنة بالواقع ليست إلا استعادة الحياة الملائكية والفردوسية التي
عاشها آدم قبل السقوط. حقاً، يتساءل فم الذهب، في أي شيء ينقص الراهب
عن آدم آنذاك إذا كان "يتحاور ويتحادث مع الله بضمير وذهن نقيين؟"
وراهب كهذا، بالعمق، له دالة على الله أكثر من تلك التي كانت لآدم بقدر
ما هو "فيض النعمة" اليوم أغزر منه في السابق.
إذا كان لجوق الملائكة وظيفتان- خدمتان- هما تسبيح الله من ناحية
والعمل لخلاص البشر من ناحية ثانية، عندها الرهبان، بما أنهم يقومون
بهاتين المهمتين عينهما، هم بالعمق "ملائكة في أجسام بشرية". هذا ما
يحصل عندما يحني الرهبان ركبهم مسبحين الله "طالبين بدالة للآخرين،
وغير طالبين شيئاً لهم من هذه الدنيا"، أيضاً عندما يخدمون حتى
بأتعابهم الجسدية خلاص الآخرين.
من جهة أخرى، فإن الرهبان لا يشتركون مع الملائكة فقط بنوع الخدمة
وإنما أيضاً، مسلكية حياتهم وسيرتهم. يخضعون بالفعل للحاجات الأرضية
كونهم في أجساد، ولكنهم في الوقت نفسه "يسلكون مسلكاً سماوياً". غير
قادرين أن ينتقلوا إلى عالم الملائكة بأجسادهم الفانية، ولكنهم ينقلون
إلى الأرض المسلكية السماوية التي للملائكة. ولولا القليل من نومهم
وطعامهم، لحسبانهم غير متجسمين. والعجب العجاب أنه بوساطة هذه الحاجات
وبنقصانهم قليلاً عن الملائكة، يكسبون أكاليل. إذن، كما يقول بالحرف،
الرهبان لا ينقصون عن الملائكة "ماداموا يهتمون بما تهتم به الملائكة"،
من يراقب حياتهم، يتابع، "يرى البرية أجمل من الفردوس ذاته" كون
الرهبان لهم خدمة الملائكة ذاتها وأيضاً المسلكية الخلقية عينها.
الذهبي الفم لا يتردد عن تسميتهم "جوق ملائكي"، "لا متجسمين في أجساد"
و "ملائكة بهيئات بشرية".
مجيء للملكوت:
العبارات السابقة لا تشكل صوراً أو بياناً... وإنما يريد الأب القديس
أن يعبّر بها عن عمق آخر. عن المعنى العميق لـ"ليأت ملكوتك"و لـ"لتكن
مشيئتك". استعادة الحياة الملائكية والفردوسية بين الله والبشر يعني
على الفور تحقيقاً ومجيئاً لملكوت الله وإلغاء لمملكة الشيطان. عندما
نفهم الرهبنة،كما عند الذهبي الفم، بمنظار إسختولوجي، عندها ندرك أنها
في الجوهر ليست نقلاً للناس خارج العالم، وإنما بالحق، تحقيق للعالم
الحقيقي الذي يطرد عالم الخداع والمظاهر، إنها مجيء للمملكة التي
أُبعدت بالقديم، ملكوت الله في العالم.
نعم، بحسب فم الذهب، الراهب لا يخرج أو يهرب من العالم أو يلجأ إلى
عالم له ذاتي وغريب، وإنما الراهب هو "الخليقة الجديدة" في قلب العالم،
هذا العالم الذي "إلى وقت آت" هو عالم يملك فيه الشيطان، فإنه في
"فردوس البرية" يملك الإله الحقيقي، المسيح، وهناك فقط نرى "قوة
الشيطان محطمة ومملكة المسيح منتصبة لامعة".
والأمر السهل ملاحظته هو أن أجمل وأهم وأكثر عبارات الذهبي الفم في
الرهبنة نجدها ليس في كتاباته التي أرسلها إلى رهبان، وإنما في شرحه
لمقاطع من إنجيل متى، وخاصة، حيث يتطرق المسيح إلى الأخلاق الجديدة،
أخلاق ملكوته، وعندما يكرز "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه...".
فالرهبان ليسو "فارّين" أو "هاربين" أو متراجعين، وإنما جنود الصف
الأمامي، إنهم ساهرون على خطوط التماس يحاربون من أجل ملكوت الله ضد
العدو، إنهم هؤلاء الذين يخرجون إلى العدو "برغبتهم" وغيرتهم، يبدون
وكأنهم "متوحدون"، بينما هم "مجاهدون" حقيقيون. هؤلاء هم الذين "نصبوا
خيامهم في السموات" و"تجندوا من أجل المسيح ضد الشيطان".
الرهبان بحياتهم البتولية أيضاً يعيدون من جديد "الحياة الأولى"،
ويحيون ثانية الحياة الآدمية التي قبل السقوط، معيدين البتولية من
نفيها الطويل، هذا من جهة، من جهة ثانية يسبقون ويحققون شكل حياة ما
بعد القيامة الأخروية. والبتولية بدون هذه الأبعاد والدوافع تصير
"عاقرة" و "بلاهة". وإنها لحقيقةٌ أنَّ الذهبيَ الفم كثيراً ما يفوّق
البتولية من ناحية تحرّرها من هموم الحياة والواجبات الكثيرة التي
يخلقها الزواج، ومرات يرى الزواج مانعاً ومبطئاً لمسيرة الإنسان
الروحية بالمقارنة مع البتولية، ورغم أن ذلك واقع، فإن فم الذهب لا يرى
في هذه "الحرية"- أي التحرر من الواجبات والهموم- أبداً دافعاً
للبتولية، وإنما فقط نتيجة عنها. الراهب لا يحيد عن مواجهة الحياة ولا
يتهرب من الحمل الثقيل لهموم المعيشة، فهو بالواقع يحمل حملاً أثقل.
البتولية هي أكثر بكثير من "ترك أو استبدال هموم الحياة". هي بالجوهر
"غصب" و "اجتهاد" للوصول من الآن إلى شكل تلك الحياة المنتظرة و "ذوق"
مسبق لحياة القيامة الآتية، إنها تحقيق للأخرويات، "لأنه في القيامة لا
يزوجون ولايتزاوجون"، فالبتولية هي "عربون" لتلك الحياة. المتبتلون هم
من أدرك أن "ملكوت السموات يغتصب اغتصاباً"، الراهب هو من طوبه المسيح
مع الذين "خصوا ذواتهم" لكن "من أجل ملكوت السموات".
القديس يوحنا الذهبي الفم عندما يؤسس البتولية على أسس إسختولوجية لا
يحدد غايتها وهدفها فقط، أي بتفسيرها كـ (شوق) و(غصب حر)، وإنما يحدد
قاعدتها بالذات، ألا وهي القيامة، "قيامة المسيح"، أي الكشف الأخروي
على عالم الحياة الحقيقية وسحق قوة الموت. فالتبتل ينطلق من قيامة
المسيح ويسعى إلى حياة القيامة. أي (لأنه عرف جيداً أن الموت هو نوم
ورقاد، دخل وشاع فن التبتل وجماله).
في العهد القديم كانت أخلاق البشر أدنى، وكان إنجاب الأولاد والإكثار
منهم تعزية أمام الموت، لهذا كان الإنجاب يعتبر الصلاح الأسمى والخير
الأوفر، وواضح الآن أن الحاجة من أجل الملكوت هي للفضيلة أكثر مما هي
للإنجاب. وهكذا فالتبتل بأبعاده الإسختولوجية ليس "رغبة" أو "شوقاً"
وحسب وإنما أيضاً هو "غصب" و"جهاد" أي حرب وتطّهر. لهذا فهو يرتبط مع
الفضائل الأخرى وخاصة مع الطاعة والفقر الطوعي وعدم الاقتناء والتبتل
بدون هذه الفضائل فاسد. فازدواج الغضب مثلاً بالبتولية يفسد معنى
عذريتها. فالبتولية هي عذرية روحية، وكمال خلقي بالأساس. فبتولية الجسد
لا تقود إلى ملكوت السموات وإنما الروحية.
تعفف الجسد هو تحصيل حاصل لبتولية الروح، إنها "تابع وظل" لها. هكذا
على سبيل المثال، فم الذهب يصنف في عداد "المتبتلات" أولمبياذا، رغم
أنها كانت أرملة، لأنه، كما يقول، وبحسب بولس الرسول، البتول ليست من
لم تعرف زواجاً وإنما هي التي "تهتم بما للرب".
لهذا أيضاً بتولية الهراطقة، وامتناع بعض الفئات المسيحية عن الزواج
كناموس دون أن تنطوي على المفهوم السابق تفقد معناها وليس لها أية قيمة
أو أجر. كل من يبتعد عن الزواج لأنه عار وعيب ليس ببتول. فجوهر
البتولية هو النسك وليس العزوبية وعدم الزواج.
هذه هي الروح الواحدة التي بها يرتب الذهبي الفم تفضيله في أمور
البتولية والزواج. فهو يفضل البتولية على الزواج ثم الزواج الأول فقط
على الثاني. على كلٍّ، حتى "الترمل" يجب أن يحمل نفس روح البتولية
السابق، أي "الحياة الفاضلة"، على عكس ذلك "الأرملة المتنعمة فقد ماتت
وهي حية" بحسب تعبير بولس الرسول، الروح نفسه والفهم عينه يطهّران
عندما يكرِّم البتولية في سن مبكرة عن تلك الصائرة في عمر متأخر.لأن
الأولى تتطلب جهاداً أكثر وتحتمل "شهادة واستشهاداً" أكرم.
شهادة إسختولوجية:
الأديار والبرية بحسب فم الذهب هي "بلد شهداء". أولاً لأن هؤلاء يشهدون
لملكوت الله، ويحققونه، وثانياً لأنهم "قد صلبوا الجسد مع الأهواء
والشهوات" ويتحملون اضطهاد الأهواء والشيطان. وإن كان زمن الإضطهادات
قد انتهى وتوقف، فإن زمن الاستشهاد لا يتوقف "لأنه وإن لم يحاربن
مضطهد"، فهناك "شيطان أصعب من المضطهدين كلهم". فالبتولية لهذا السبب
هي استشهاد متواصل وحياة شبهها شبه حرب مستمرة. الراحة والتنعم تسرق من
الراهب زمن العمر الحاضر وتجعله وقتاً للشيطان. الإمبراطورية المسيحية
من قسطنطين الكبير حولت شهادة الدم إلى شهادة الحياة، والرهبنة هي
معمودية الدم، معمودية النسك. إن كان تحمل الشدائد والضيقات من أجل
المسيح له ثواب عظيم ويعتبر استشهاداً، فإن العيش في "شدة" طوعية أي
طلب النسك، ذات كرامة أكبر بكثير. التقشف هو لون الاستشهاد الجديد. في
شهادة الدم "يعمل السيف"، في شهادة الحياة "يعمل الاستعداد" والإرادة.
لهذا، يوضح قديسنا أن بولس الرسول يعدّد في سحابة الشهداء هابيل،
أخنوخ، نوح، إبراهيم، اسحق ويعقوب، يوسف وموسى... "لأن الشهداء ليس من
ذبحوا فقط وإنما كل من كان مستعداً لذلك. ليس الموت فقط يصنع شهداء
وإنما الإرادة أيضاً. بولس الرسول يعرف الاستشهاد حقاً: "... نخاطر كل
ساعة... وأموت كل يوم". فإنه "بجسد فانٍ واحدٍ يمكننا أن نقبل آلاف
الميتات" يقول الذهبي الفم. الراهب متقبلاً كل يوم "موت الفلسفة"،
يتابع "موت المعمودية"، وهكذا يواجه ويغلب "موت النفس"، فلا يعود بعد
يخاف "موت الجسد".
انطلاقة محبة للآخرين:
الرهبنة والبتولية، كما يؤكد الذهبي الفم، ليست حركة وانطلاقة أنانية
فهي ليست ابتعاداً عن ضجيج العالم للـ"الاستراحة"، على العكس الرهبنة
هي "تجند" في الصف الأول من أجل جسد المسيح. لهذا قديسنا يشدّد أن أخطر
الأمور هو أن يظن الراهب أنه يخلص وحده لوحده. في تقليدنا الأرثوذكسي
لا يوجد خلاص فردي. خلاص المسيحي يتحدد بخلاص الآخرين وبمحبتهم، فهو
ليس إلا مقتدياً بسيده المخلص يسوع المسيح.
صورة "الجندي" تساعد قديسنا كثيراً في توضيح طريقة الخلاص. فالجندي لا
يخلص عندما يفرّ وإنما عندما يحارب في صفه مع الآخرين. جهل العذارى
الخمس الجاهلات لم يكن إلا عدم اهتمامهن بالآخر "عدم الإحسان"، لا يخلص
الهروب ولا الالتجاء إلى البرية في وقت "يضيع" فيه الآخرون. إذاً النسك
عندما لا ينعكس على الآخرين والقريب لا معنى له. على كلّ، بالنسبة لفم
الذهب "الآخر" يشكل اهتماماً وهمّاً وشغلاً للراهب. بالذات، كون
الرهبنة، كما يشرحها قديسنا، ليست هروباً من العالم وإنَّما تحقيق
للعالم الحقيقي، ملكوت الله، لهذا فالرهبنة ليست حركة أنانية وليست
مطلباً فردياً لتلبية مشاعر تقى خاصة، وإنما قلب عالم المظاهر إلى عالم
حقيقي، الشيء الذي ينعكس ليس على الراهب ذاته وإنما على كل "إنسان"،
وأيضاً على كل الخليقة. كون الراهب "لا يتطلب ما لذاته" إذاً فهو يجاهد
في سبيل "ما للقريب". هكذا تأخذ الرهبنة بعدها ومعناها العميقين
الحقيقيين.
الذهبي الفم يعرض تقديمات الرهبنة وفضلها وضرورتها بطرق مختلفة. فقبل
كل شيء شهادة راهب هي تقدمة لا تثمن أي شهاداته ومثاله في التغرّب
والترفع عن أمور الدنيا وكل أكاذيب هذا العالم الحاضر، فهو "أليف
السماويات" يصير مثالاً ضرورياً لنا "إلغاء الأرضيات"، فإنه قدوة
"للعفة" و "التعفف" و"اللاقنية"، إنه بكلمة واحدة "تطبيق حي للكتاب".
بعبارة أخرى هو "نور" وهدى، والأديار يشبِّهها قديسنا بـ "منارات" تضيء
عالياً للمبحرين إلى الميناء جاذبين الجميع إلى هدوء المرافئ، مخلِّصين
هكذا من الغرق كل من ينظر إليهم. الرهبان بحسب كلماته هم مثال وقدوة
ملائكية، إنهم "حقاً قديسون" و "ملائكة بأشكال بشرية". فقط من هذه
النظرة الإسخاتولوجية يمكننا أن نفهم اعتبار فم الذهب والأخلاقيات
المسيحية عامة "الراهب رسولاً" حقاً. لهذا قديسنا لم ينقطع عن تشجيع
المؤمنين به ونصحهم بزيارة الأديار. هناك حيث يُستضافون ويُقدم إليهم
عمل الرحمة بوجهيه الكاملين، الوجه المادي والوجه الأسمى الروحي، طعام
الجسد وطعام النفس. فالرهبان هم رسل لا يهتمون بخدمة الموائد بقدر ما
يهتمون بخدمة الكلمة. الأديار بالنسبة له هي أسوار المدينة والرهبان هم
بالتالي حراس سكانها.
لكي يقترب المرء من العالم، لا يعني أن عليه بالضرورة أن يتواجد في
الأسواق. الحركة والخضم والضجيج الذي في العالم بغالبيته عقيم، فارغ
وغير مثمر. والبرهان أيضاً أن الرهبان لهم أصدقاء كثر وإنهم قريبون من
الناس، والحق أنه بقدر ما يبتعدون عن "العالم" نرى "الناس" يؤمّون
الأديار ويطلبونهم. وكثرة أصدقائهم أيضاً تبرهن أنهم أقرب البشر إلى
قلوب الناس.
تقدمة الراهب الأثمن هي "الصلاة". هذا هو دوره الفريد إنها الخدمة
والرسالة الأعمق والأسمى التي يمكنها أن تُقدم للعالم. هذه "الصلاة"
تجعل من الرهبان "الآباء" الفعليين لكل الناس، إنهم إذ ذاك أمثال موسى
وداوود وبولس، أي أكثر من "آباء" أي "شفعاء". نعم إن الله يطيل بُعد
أناته عن العالم كله بفضل "حياة البعض". فإن كان حتى اليوم لم يصر
طوفان ثانٍ فهو يعود لوجود قديسين ولو قلائل.
الراهب هو بالعمق "الإنسان الذي بالنهاية يعطي للخليقة والكون معنى
وهدفاً وغاية وأيضاً هو من يخلصها، كما خلصت مرة بنوح. الذهبي الفم لم
يترك تلك الفرصة التاريخية للعام 387 عندما تشفع الرهبان بأهالي
أنطاكية في لحظات كان قادتها وقوادها وسكانها قد فرّوا من تلك المدينة
المرعوبة من تهديدات الإمبراطور. مشهد الرهبان في تلك المدينة عندما
تركها أبنائها هو برهان قاطع عن محبة الراهب للناس وعن عمق حركته
الرهبانية كحب للآخرين وأنهم يهتمون بقريبهم أكثر من اهتمامهم بأنفسهم.
من جهة أخرى، نستدل أيضاً أن طبيعة الرهبنة هي حركة محبة نحو الآخرين،
كما هي في فكر أبينا فم الذهب، من تفضيله للكهنوت، بالذات لأنه من
خلاله تنفتح للراهب فرص أكبر لتخليص آخرين. تفوّق الكهنوت على الرهبنة
كامن أولاً في تلك النعمة السماوية والهبة المجانية، هبة الخدمة
الملائكية الملوكية للأسرار الإلهية، وثانياً في أن الكاهن لا يَخلُص
فقط وإنما يُخَلِّص. هنا يجب أن نتذكر أنه لم يوجد أب كنسي مدح
بالكهنوت مثل الذهبي الفم. بالطبع مهمة تخليص الآخرين تفترض بديهياً
قدرة الكاهن أن يَخلُص هو أولاً. تفضيل الذهبي الفم للكهنوت على
الرهبنة يبنيه هو ذاته على رؤيته للكهنوت كاستجابة ثانية مثل استجابة
بطرس على دعوة المسيح، "أتحبني؟! ارع خرافي". ومن ناحية أخرى فإن تردد
الذهبي الفم نفسه، الذي يظهر في مقالاته "في الكهنوت" سببه بالذات هو
محبته للآخرين، أي خشية أن يضر من يحب بسبب عدم استحقاقه.
ومع ذلك لا يغيب بعض الباحثين وأغلبهم غربيون، الذين يدَّعون بأن
الذهبي الفم قد بدَّل موقفه ونظرته من الرهبنة. فبينما ظهر في كتاباته
الأولى، التي كتبها وهو راهب، المدافع الأول عن الرهبنة وترس لها و سيف
باتر من سيوفها، يدعون أنه بعد ممارسته لحياته الكهنوتية بدَّل نظرته
إذ أصبح محارباً للرهبنة وموبّخاً لها ومكرّماً للكهنوت. هذه النظرية
الغريبة والرؤية السطحية والفهم الساذج لمواقف قديسنا وكتاباته الواضحة
لهدف الرهبنة ولمقصدها المنشود الذي هو محبة الآخرين وخلاصهم وليس
الانطواء على الذات، قد غاب عن انتباه هؤلاء البحّاثين بينما هو يشكل
منظار الأب القديس ومفتاح الدخول إلى فهم نصوصه ومواقفه. على كلّ إن
الذهبي الفم هاجم بقساوة الكهنة أيضاً.
على كل حال، عن حرب الذهبي الفم الموجهة ضد الرهبان، في الحالات التي
صدفت، لم تكن ضد الرهبنة لكن ضد "الهروب" من خدمة الآخرين لخدمة الذات،
وحرْف الحركة الرهبانية من حركة محبة مسيحية للآخرين إلى حركة أنانية.
فهو لهذا السبب عينه حارب وقاوم بعض الكهنة في القسطنطينية ورهباناً
كسالى عند أبيه ومعلمه الراهب السوري الذي عاش عنده سنين رهبانيته
الأولى. في كلتي الحالتين إن الكهنة والرهبان المقصودين بتوبيخاته
كانوا مما رفضوا الدخول من "الباب الضيق" هكذا نفهم بعض عباراته عندما
يفضل بها "إنساناً عادياً" عن "راهب كسول" لأن ما يخلص ليس البرية ولكن
النسك.
الحدث أن الذهبي الفم أرسل في إرساليات تبشيرية رهباناً، أو أنه كان
يرغب دوماً بحضور وتواجد الرهبان في مدينته، أو أنه وضع رهباناً على
إدارة أعماله الإنسانية ومؤسسات أعمال الرحمة التي أقامها في أسقفيته،
وأيضاً أنه شرطن كهنة في القسطنطينية من الرهبان، يعود ليس لتبديل
فكرته عن الرهبنة أو إنقاص أو تغيير لكرامتها وأهميتها في فكره وإنما
بالعكس، بالذات لمقدار الأهمية التي علقها على دور الرهبان المثالي
والتعليمي، وإلى إيمانه العميق أن النسك وأعمال الرهبنة هي الشرط
الأساسي والأول لأي عمل كهنوتي أو رعائي.
لا يوجد إذن في ذهن فم الذهب "تضاد" وتضارب بين العمل والنظريات بين
الخدمة والرؤيا بين الـ praxis و الـTheoria . هو ذاته بقي طيلة حياته
الكهنوتية والأسقفية راهباً. ولكن من الواضح أن عمل الكاهن لديه أسمى
من عمل الراهب بقدر ما هو أصعب أيضاً، لأنه من الكاهن مطلوبة هي كل
الفضائل الرهبانية والواجبات الروحية ذاتها أضف إلى ذلك الاهتمام
بالكثيرين. الشيء الذي يجعل حياة الكاهن موت دائم وأكرم من ألف
استشهاد.
خروج أم نسك
تعمق الأب القديس إسختولوجياً جعله يميز الهدف الأخير دائماً عن
الوسائط الآنية، الجوهر والغاية عن القالب والأسلوب. هكذا بالنسبة له
جوهر الرهبنة هو النسك والتطهر أما الهدف فهو المحبة المسيحية للآخرين،
لهذا رغم كل الصورة الرائعة التي يعطيها عن الرهبنة لا تنقطع هذه على
أن تبقى لديه وسيلة "وساطة، أسلوباً، طريقاً".
هذه "الفلسفة التي بحسب المسيح"، الحياة الرهبانية، هي بالنهاية
"الفلسفة الحقيقية" وهي الجواب على حماقة العالم والمحسوبة لدى العالم
"جهالة" الكرازة كما يقول الرسول. وذلك لأنها "فلسفة الصالحات الأبدية
غير الموصوفة". حكمة الرهبنة وجوهرها يكمنان في تطبيق النداء الرسولي
"اهتموا بما فوق وليس بما على الأرض". كقانون للحياة، وفي الوعي العميق
أن "مدينتنا في السماء موجودة". من جهة أخرى الراهب هو "نور" لأنه
"شعلة" أي لأنه يملك نار الروح القدس فيه، النار التي تحرق وتنهي كل
شوق إلى "ما هنا" وتشعل فيه "العشق" الحقيقي. هدف النسك ليس شيئاً آخر
غير امتلاك نعمة الروح القدس. إسختولوجياً الترك، ترك الممتلكات
واحتقار التنعم هي أمور ضرورية، فقط لأنها أسلوب للحفاظ على نار الروح
المشتعلة. التمدد والنوم على الأرض تفيد الراهب فقط عندما تصير له
سلماً كسلم يعقوب تصعده مع الملائكة. الراحة والكسل أمور مكروهة
ويتحاشاها الراهب لأنها دخان يفسد عبق الروح.
عندما تتواجد هذه الحكمة وهذا الجوهر، الطابع الإسختولوجي للأخلاقيات
المسيحية كما هي عند فم الذهب يرى ما بعد الأسلوب ويرمي الأهمية والثقل
على "المسلك" أكثر من "المكان" هو ذاته كان يكرر دائماً العبارة "ليس
المكان لكن المسلك". هكذا عندما يملك الإنسان هذا الشوق ويحافظ على
شعلة الروح "وإن كان في وسط المدن مقيماً، فهو كمن يحيا في البراري وفي
المغاور وعلى رؤوس الجبال". الراهب تحديده هو "من يريد أن يخلص فقط" هو
من يطلب "الواحد" الذي إنما الحاجة إليه، هو إذن من يريد أن يحيا
الإنجيل.
مما سبق نرى، أن "الطريق الضيقة المؤدية إلى الحياة" هي واحدة، لكن
الأساليب متعددة. واحد هو الهدف والمقصد، لكن متعددة هي الوسائط. ممكن
أن يصل الإنسان إلى هذا الهدف "بأشكال مختلفة" وأن يربح الجائزة نفسها.
الهدف الواحد لا يلغي تنوع الأساليب. الوسيلة الأولى لا تلغي الثانية
عندما تقودان الاثنتان إلى الغاية نفسها.
الرهبان بالتحديد هم، المطوَّبون "السالكون في درب الرب" وفي طرقه.
ودروب الرب هذه، بحسب فم الذهب، هي بدقة "المسلكية بحسب الفضائل
المسيحية القائدة إلى السماء والموصلة إليها". في مقالاته وعظاته
متوجهاً نحو مؤمنين يعيشون في العالم، لا يترك مجالاً للغموض أو
الالتباس وإنما يتابع معدداً هذه الطرق والدروب "في البتولية"، "في
الزواج"، "في الترمل". هكذا بحسب حد تعبيره، "ربنا المحب للبشر بتنويعه
للدروب وتكثيرها جعل دخولنا إلى السماء أسهل".
ثم يتابع ويحلل كل درب إلى طرق مختلفة متعددة وكثيرة. فمثلاً "إضافة
الغرباء"، "افتقاد المرضى"، "تقديم كأس ماء بارد" وحتى "درهم الأرملة".
بهذه الأساليب يمكن للمؤمن أن يحقق ما يحققه البعض الآخر بطرق أخرى.
يصل الذهبي الفم إلى حد اعتبار عمل الرحمة والإحسان أهم من العذرية
والتبتل. هذه النتيجة يستخلصها هو من تفسيره لمثل العذارى العشر، رغم
أن الخمس الجاهلات منهن كنَّ أيضاً عذارى متبتلات، إلا أن المسيح لم
يدخلهن إلى العرس، لأنهن حفظن الصعب من الوصايا فقد أضعن الجوهر
والهدف، أي المحبة.
لم يتردد قديسنا مرات عدة عن التأكيد لسامعيه أنه يعرف في العالم
والمدن أناساً يسلكون بإيمان ونسك أكثر من بعض الرهبان. مؤثرة قصة ذلك
الشاب الذي عندما أراد أن يترهب وافقته وأيدته أمه على عكس أبيه الذي
مانعه وأعاقه بالتهديدات والوعيد. الذهبي الفم مؤمن أن النسك ممكن
أيضاً والتطهر يحصل حتى في العالم. نصح هذا الشاب أنه يحيا الحياة التي
ينشدها في الرهبنة ضمن العالم وان يجذب أيضاً إليها آخرين. بالتأكيد
خبرة الأب الحية والشريفة المقدسة أعطته اليقين بإمكانية ذلك
وببساطة قديسونا ورجال الكتاب المقدس، نوح وإبراهيم واسحق وكل عظماء
العهد القديم كانوا متزوجين وعاشوا في العالم. الزواج والعالم لم يضر
نوح. حالات وأمثلة مثل بطرس وبولس وأكيلا وبريسكيلا وسائر الرسل
الآخرين ومسيحي الكنيسة الأولى تبرهن بوضوح أنه من الممكن أن يكون
الإنسان "من سكان السماء" دون أن يعيش في البرية.
من البديهي أيضاً، إن ممارسة الفضائل والعيش بالنسك ليس وقفاً على
الرهبان فقط. وليبرهن فم الذهب وعظه هذا يستدعي الكتاب المقدس ويشرح
ذلك منه. ويبرهن فم الذهب والرب يسوع والرسل من بعده وجهوا وصاياهم
وهذه "الفلسفة" الحياتية الجديدة للجميع. وخلاصة التعليم أنه، وإن كنت
ساكناً المدينة وتحيا مع امرأة وأولاد، فعليك أن تنافس الرهبان
بالفضائل والفلسفة الحياتية المسيحية وفي الصلاة والسهر. تعاليم المسيح
ووصاياه لم تكن من أجل الرهبان فقط. المطلوب من الراهب هو واجب الآخرين
أيضاً. المسيح في عظته على الجبل لم يفرِّق البتة بين وصايا رهبانية
ووصايا عالمية. البساطة والفقر الطوعي، تجنب الغضب والشهوة السيئة، عدم
الحلف والقسم، مطالعة الكتاب المقدس وكل الفضائل المسيحية والجهادات
الروحيَّة الأخرى "ليست رهبانية" وإنما "مسيحيّة". فكل مسيحي، مترهبّا
كان أم غير مترهب مدعو إلى أن يصل إلى الغاية نفسها وإلى الكمال الروحي
نفسه ويحقق الفضائل المسيحيّة، ولكن كل بأسلوبه ومن مكانه. التطويبات
سمعها من فم المسيح آنذاك متزوجون. الفرق بين الراهب والمسيحي المتزوج
تكمن في "البتولية" وليس في درجات الفضائل. "الطريق الضيقة المؤدية إلى
الحياة" هي للجميع وليست حصراً للرهبان والمتبتلين. إلى سكان مدن كتب
بولس طالباً أن يموتوا عن العالم وأن يكونوا أحياء بالله. وأن يسلكوا
بالأصوام والصلوات كأن لهم مدينتهم الباقية في السموات. لم يغب من
مستمعي الفم الذهب البعض الذين كانوا يعلقون على وعظه هذا بأنه "تطرف
رهباني" ما كان يراه هو استنتاجات إنجيلية عامة وراحوا يتأففون أو
بسخرية يتساءلون: "وبالنهاية ماذا تنصحنا أن نعمل؟ أن نصير رهباناً".
هذا الفهم الخاطئ وإساءة تفسير نصائح الأب الروحية الإنجيلية تركت لديه
دائماً ألماً ومرارة. كان يستاء عندما راح مستمعوه يميزون في الوصايا
ما منها للرهبان وما منها لسكان العالم. وصنفوا النواميس والوصايا التي
وجهها المسيح للجميع إلى "وصايا دنيا" للعامة "ووصايا أسمى" للرهبان.
أما قديسنا فيتابع ويقول، مادام الراهب والعلماني سوف يقفون أمام الله
وسيؤدون الحساب نفسه، عندها يجب أن تكون لهما الحياة نفسها والفضائل
نفسها. المسؤولية ذاتها تعدم احتمال تمييز الفضائل. الكتاب كما يقول
القديس، لا يعرف فصلاً بين الوصايا وتمييزاً وإنما وجهها للجميع كما
وجه أيضاً للكل التهديدات نفسها والمكافآت نفسها. التمييز والتصنيف
السابق هو نتاج الذهنيات الفاسدة والعزائم الخائرة والعقلانية المحبة
لملذات العالم التي "قلبت الأمور رأساً على عقب". وأخيراً، يرى فم
الذهب أن سقوط الراهب أو العلماني من فضيلة ما تتم من العلو نفسه ويحكم
عليها الحكم نفسه، ودليل ذلك أن الخمس الجاهلات والغني الثاني (مثل
الغني ولعازر) نالوا جميعاً متبتلين ومتزوجين العقوبة نفسها.
الصلاة الربانية، التي هي صلاة لكل مسيحي، وتعليم مباشر ووصية من الرب
نفسه، تتضمن في طياتها الوعود الرهبانية وحركة التطهر ذاتها. إنه لجدير
بالملاحظة، أنه في تفسير هذا المقطع الإنجيلي للصلاة الرهبانية، الذهبي
الفم بعد المدخل لهذه الصلاة (أبانا الذي في السماوات) حيث يشدّد فيه
على البعد الإسختولوجي للصلاة، الأجزاء اللاحقة يقسمها إلى ثلاثة على
أساس أفكارها الثلاثة التي يرى فيها الوعود الرهبانية الثلاثة ذاتها.
أي الطاعة، التي بواسطتها يأتي ملكوته إذ تتم مشيئته كما في السموات
كذلك على الأرض فيتقدس اسمه بحياتنا الموافقة والتي هي بحسب وصاياه. ثم
الفقر الطوعي الواضح في طلب الخبز اليومي الكافي فقط. وثالثاُ وأخيراً
الطهارة والتعفف الحاصل في المسامحة والنجاة من شرور الشرير. وهذه
الثلاثة ليست إلا الوعود الرهبانية.
هذه القاعدة المثلثة الرؤوس، والأساس المثلث الركائز للفضائل هو للجميع
كما علمه الرب ذاته، وهنا يحق أن ننوه لبعض كلمات هذه الصلاة مثل
"أبانا الذي في السموات"، "ليأت ملكوتك"، "لتكن مشيئتك" و"نجنا من
الشرير" وكيف تعطي لفم الذهب دفعاً إسختولوجياً شديداً، ولوناً واضحاً
للحياة الحقيقية الأبدية. هكذا يستنتج قديسنا من هذه الصلاة مرات كثيرة
دعوة ربانية لاحتقار خدعات العالم الباطل وشهوات وكل ما "يخصص ما هنا
". على العكس الدعوة هي لاشتياق "وعشق ما هناك". بالطبع عشق ما هناك لا
يعني فقط "شهوة الانطلاق إلى المسيح"، ولكن طالما هذا يتأخر يعني
الرغبة في أن "نحقق ما هناك هنا"، أي بكلام آخر جلب ملكوت الله إلى
الأرض. اهتمام الذهبي الفم القوي بهذه الوحدة للحياة بين الراهب
والعلماني يدفعه إلى إلغاء القانون العام أنَّ النموذج أو المثال
للعلماني هو الراهب، وإنما يشدّد على أن مثال الراهب والعلماني على حد
السواء هو المسيح ذاته، الرسل، وبولس خاصة.
بالطبع الذهبي الفم لا يرفض العلماني العائش "في العالم" ولا يطلب
بالتحديد راهباً "خارج العالم" وإنما ما يشدد عليه هو التمييز بين "من
العالم" وبين "في العالم". يرفض قديسينا بوضوح وجود روحانيتين
ومسلكيتين أو كمالين روحين، تمييزاً كهذا مرفوض بالكلية. إنه بالفعل
الأب الأول من آباء كنيستنا الذي واجه مثل هذا الفصل والتصنيف المرتبي
في الكمال بين المؤمنين، وقد عالجه بعمق وتوسع. فلا يوجد إذن صنفان من
المسيحيين، "صنف الكاملين" و "صنف المتوسطين". المسيحي هو "في العالم"
لكنه ليس "من العالم". لا يوجد تضارب بين البرية والمدينة، وإنما
الخلاف هو بين العقلانية العلمانية العالمية وبين الوصية الإنجيلية، لا
تضاد إذن بين الخدمة والرؤيا، وإنما العكسية هي بين الطريق الرحبة
والطريق الضيقة.
جدير بالذكر بالنسبة للذهبي الفم أن المقصد والغاية الأخيرة للرهبنة
وللحياة بالعالم هما عينهما، أي البلوغ إلى التطهر لدرجة "المحبة
المسيحية الكاملة"، محبة كهذه تتجسد مثلاً في الكهنوت، في التبشير، وفي
إشعاع الرهبنة، أو أيضاً بما يقابلها من حياة العلمانيين في المدن مثل
عمل الرحمة والإحسان خاصة. هو نفسه، الذهبي الفم، حقق في وحدة شخصه
الأسلوبين. يصل الذهبي الفم مرات عدة إلى تحميل العلمانيين مسؤولية
مشابهة لتلك التي للكهنة من جهة تخليص الآخرين. فكلاهما يحمل هذه
المسؤولية كل بحسب طريقته. والخروج والهروب إن صح التعبير هما أمر صالح
عندما يتم من اجل الآخرين وليس من اجل الذات. هكذا بالنهاية كل حركة
دخول إلى العالم أو خروج منه، وتُقيّم من هدفها الأناني أم المحب.
الأخلاقيات المسيحية هي حياة روحية واحدة للجميع، وترفض في أرثوذكسيتنا
كل تفضيل أو تجزيء في هذه الوحدة. أن يُشرَّع وجود أخلاقيتين، واحدة
للعلمانيين وواحدة للرهبان أمر غير مقبول في كنيستنا المستقيمة الرأي
والحياة. هكذا تحديد "الحياة الرهبانية" للأقوياء الذين يسعون ويقدرون
إلى الوصول إلى الكمال الخلقي "ونصف أخلاقيات- أو أخلاقيات معتدلة
وسطى" للضعفاء الساعين إلى حدود متوسطة من الفضائل هو أمر غير كتابي
وبالتالي غير مقبول وإن كان قد صُيِّر قانوناً وناموساً في الكنيسة
الغربية.
أخلاقياتنا المسيحية، هكذا كما هي أيضاً في فكر وكتابات أبينا فم
الذهب، لا تواجه المشاكل الاجتماعية لا بالهروب إلى البرية ولا بتشريع
نواميس لفرض الفضائل ضمن العالم، والتاريخ قد أظهر فشل كلا هذين
الحلين. كنيستنا تحل كل المشاكل الاجتماعية بروح النسك المسيحي داخل
العالم كما خارجه. الحل إذاً ليس تأسيس روما أرضية ولا البرية. حلان
فشلا بالتاريخ وحلان متطرفان، وإنما الحل هو أن يأتي ملكوت الله بالنسك
وتعميق الحياة الروحية. الغاية أن نصل إلى الهدف وألا نقف عند الوسائط.
هذه الوسائط عندما تغدو هدفاً بحد ذاتها تخون غايتها ومهمتها.
تفوّق البتولية
والرهبنة خلقي أم منهجي بالأسلوب؟
مع ذلك فإن ميل الأب القديس لتفضيل الرهبنة والبتولية على الزواج واضح
مرات كثيرة. "ليس لأن الزواج شر وسيء ولكن لأن البتولية أروع" بالطبع
قديسنا لا يحث الجميع على اتبّاع المسلك الرهباني لأن أمراً كهذا قد
يكون "غير مناسب" لكثيرين ويكون حملاً ثقيلاً بدلاً من أسلوب خلاص لهم.
قديسنا يعبر عن موقفه في هذا الموضوع "أرجو ولكن لا أحث الجميع ولا
أجبر". هذا التفضيل لا يشكّل تضاداً مع كل ما سبق وذكرناه، أي مع
تعليمه أن النسك والتطهر الرهبانيين ممكنان أيضاً حتى في العالم، وذلك
لأن تفوق الرهبنة في فكرة يكمن ليس بقيمها الأخلاقية وإنما بظروفها
المثالية وهذا ما يعلله القديس بما يلي، بما أن الحياة في المدن قد غدت
أشبه بحياة أهل سدوم وعمورة وبسبب هيمنة الفساد والشرور قد صارت الشروط
والظروف الملائمة للحياة الروحية والنسكية إما نادرة أو معدمة أو صعبة.
كون المدن قد صارت على حد تعبيره، ناراً شيطانية مشتعلة، لهذا بالذات
فإن المجتمعات الرهبانية باتت أضمن للحياة الروحية. رجاء وشهوة لدى
القديس يوحنا فم الذهب لا يقدران بثمن لو أن المجتمعات انصلحت واكتملت
خلقياً عندها ما كنا بحاجة للأديار. أي لو أن المجتمع صار كنيسة وصار
العالم ملكوتاً بالنهاية.أو بعبارة أخرى لو حكم الرهبان أو "نسك"
الحكام لم يكن هناك من حاجة للتوحد والخروج من العالم ولا للأديار. لكن
من يدان لهذه الحالة التي وصلنا إليها والمهيمنة على عالمنا هم ليسوا
الرهبان لكن هؤلاء الذين يقلبون المدن إلى أماكن تخلوا من الفضائل
وأراضٍ محظورة على الحياة الإنجيلية المسيحية.
عندما سُئل القديس مرة إذا كان العلمانيون سيخلصون؟ أجاب أنه يستنتج
مما يراه ومن مسلكيتهم عدم إمكانية ذلك لكن هذا لا يعود إلى وجودهم في
العالم ولكن لكونهم يسلكون وكأنهم من هذا الدهر وإليه. والذهبي الفم
يقبل أن درجات الكمال نفسها ممكنة في العالم كما في الرهبنة لكن بالطبع
مع ما يقابلها من شروط وجهاد نسكيين. ولكنه يرى العالم، غالباً، يعلّم
حب اللذة والأنانية، الجشع والطمع، حب المال والغنى، حب المجد الباطل
وما إلى ذلك، عندها يتساءل متعجباً كيف يستطيع الناس أن يخلصوا فيه،
وكم غدا ذلك صعباً! ظروف العالم هي الأصعب، بينما الحياة الرهبانية هي
المدرسة الحقيقية للمسيحية والأسلوب الأسهل للخلاص والكمال الروحي.
بالطبع تفوّق ظروف الرهبنة لا يعدم احتمال الكمال الروحي خارجها، ولكن
عندما يتم ذلك خارجها فهو حالات وليس المناخ العام. فإنه بالطبع، يحيا
الإنسان في العالم مع عدد كبير من الكسالى ووسط أخطار روحية أكثر،
بينما على العكس "المجدون" في الرهبنة هم الغالبية، والأخطار بالتأكيد
أقل بكثير. ففي حين أبانا القديس يؤكد أنه من الممكن أن يصل الواحد ممن
في العالم، إلى درجات الكمال العليا والسامية نفسها كالرهبان، في الوقت
ذاته يوضح أنه لا يعرف أحداً في العالم حقق ما حققه بعض الرهبان من
درجات الكمال.
النظرة الإسختولوجية العميقة، الرؤية الروحية الثاقبة لأبينا القديس فم
الذهب، ترى الحياة في العالم الحياة الأخطر. فإن احتمال "السقوط" أو
"الفشل" في الرهبنة دائماً هو النادر والأقل عنه مما في العالم. علماً
بالنهاية، أن "النجاح" بالنسبة للذهبي الفم هو تملك الفضائل. فعلى سبيل
المثال يوجد كثيرون جداً في هذا العالم يفشلون في الزواج ويسقطون منه
إلى الزنى، بينما على العكس الرهبان الذين يخلعون زيَّهم الرهباني من
أجل الزواج هي ليست أقل وحسب وإنما نادرة جداً. وإن كان هذا يحصل في
جهاد العفة، الجهاد الأصعب والأثقل على الراهب، حريٌ أن ينطبق هذا على
الجهادات الأخرى، على سبيل المثال جهاد حب المال! إن كان هناك احتمال
ضئيل أو بسيط في أن يخلص أحد في وسط العالم، فإن احتمال خلاصه بالرهبنة
أكبر بكثير.
مجهود الفضيلة في العالم، بالواقع والحق، هو أكثر. ظروف العائلة
والزواج والوسط العالمي تجعل حياة الفضيلة أصعب، ورغم ذلك يؤكد الذهبي
الفم أنه بالنهاية الجائزة واحدة والمكافئة هي نفسها، لأن أسلوب مواجهة
صعوبات الحياة كائن في "الاختيار الشخصي". لهذا يسمي أبونا القديس
الرهبنة "ميناء" "صخرة" "وعمدة".
في الرهبنة يجري الإنسان في طريق الفضائل حراً من أثقال الزواج،
وبالتالي بشكل أسرع وأسهل. فالرهبنة تتفوق هكذا على الزواج بالبيئة
والظروف التي تؤمنها، والتي تناسب الحياة المسيحية الروحية أكثر، على
سبيل المثال بالهدوء. فأحزان المسيحي المقيم في العالم ومشاكله
وصعوباته لا تعد ولا تحصى، أما المتوحد والراهب فحزنه الوحيد هو خوفه
من أن يخطئ إلى الله أو يتصادم مع مشيئته المقدسة. في بحر هذه الدنيا
الهائج، يصل سكان العالم إلى ميناء الخلاص سابحين وناجين على خشبة من
حطام السفينة، بينما الراهب، على حد تصوير أبينا القديس، هو كالسيد
المتسلط المراقب للبحر من قمة جبل عال.
هكذا النظرة العميقة الإسختولوجية للحياة، عندما تحدد نفس درجات
الفضيلة كهدف لحياة كل من الراهب والمسيحي المقيم في العالم، للمتبتل
والمتزوج، عندها تنصح الطريق الأسهل لتحقيق ذلك، بالبتولية. عندما يجري
تفضيل في فكر آبائنا القديسين للبتولية والرهبنة على الزواج فهذا يعود
لكونها الأضمن والأسهل، وبالتالي الأفضل. تفوّق الرهبنة لا يكمن في
درجات الكمال الروحي أو في نوعية روحية أخلاقية ولكن في البيئة التي
تؤمنها وتتعايش فيها. وإذا تذكرنا أيضاً نداء بولس الرسول، "فأقول هذا
أيها الأخوة الوقت منذ الآن مقصر لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم"
عندها يكتمل فهمنا لتفضيل البتولية والرهبنة على الزواج وحياة المدن
عند قديسنا فم الذهب، الرهبنة التي هي "طريق ضيقة" حقاً، وتقدم أرضاً
صالحة ومناسبة لأعمال الرياضات الروحية والجهاد وممارسة الفضائل من عدم
القنية إلى سائر الفضائل الأخرى. على عكس أرض الحياة المدنية غير
الملائمة بمناخها عادة لنمو الفضائل.
يربط أيضاً الذهبي الفم، كما أغلب القديسين الآخرين، تفوّق البتولية
بولادة العذراء لربنا يسوع المسيح بتولياً. مقدِّماً هكذا شرفاً آخر أو
برهاناً لتفوقها.
هذا التفوق "في الأسلوب" للبتولية على الزواج، وللرهبنة على الحياة
المدنية، يلخصه ويوضحه فم الذهب بإعادتها إلى الإنجيل إلى حوار المسيح
مع اليهود حول الزواج والطلاق، الحوار الذي قاد به المسيح تلاميذه
ليستخلصوا وحدهم نصيحته، أنه من الأنسب للإنسان أن لا يتزوج. وكما يشرح
الذهبي الفم، المسيح بشكل غير مباشر هنا يحث تلاميذه إلى الحياة
البتولية. وهذا يستدله من سياق الحديث في نهايته حيث بلغ إلى تطويب
الذين امتنعوا عن الزواج "من أجل ملكوت الله".
بالطبع إن إمكانية الكمال الروحي الواحدة والمتساوية في الزواج وفي
البتولية لا تلغي تفوق الرهبنة على الزواج في فكر أبينا القديس، وهذا
يفسره هو بالحث على اختيار الطريق الأسهل والأضمن. بالطبع تفوّق بيئة
الرهبنة لا يُقصد "مكانياً" ولكن كاختيار وانتقاء الأسلوب الأمثل
لأعمال النسك، إنها بيع كل ما نملك لنشتري ملكوت الله. لأن هذه الحياة
تؤمن فعلاً قلة الهموم والاهتمامات والمشاغل العاقرة غير المثمرة، تلك
الهموم التي تبسط أرضاً قابلة لحب العالم والتعلق به. بينما الظروف
الرهبانية هي أرض قابلة وملائمة للالتصاق بالرب ووضع الرجاء في المسيح.
الرهبنة هي استجابة ...... المسيح ودعوته، من أجل الضروري ولكن من أجل
الكامل. إنها تعبير حي عن المحبة الكاملة للمسيح ومثال واضح عن التجاوب
الكامل مع عمل النعمة. إنها تلاقي الحرية البشرية مع النعمة الإلهية في
منتهاه. تجاوب حر وتجاوب من النفس على نداء الروح القدس. إنها إشارة
واضحة عن تفضيل الروح على البشرة. إنها بالنهاية ذوق مسبق للحياة
المستقبلية.
|