الاحتفالية الخاصة بالذكرى 1600 على رقاد القديس يوحنا الذهبي الفم .... مجلس رؤساء الطوائف المسيحية بحلب


 

يوحنا الذهبي الفم في تراث كنيسة أنطاكية السريانية

صور من هذه المحاضرة 1- 2 - 3

عرف السريان القديس يوحنا الذهبي الفم من خلال مصنفاته التي نقلوها من اليونانية إلى السريانية قبل سنة /451/، واهتم بعض الآباء السريان بصورة خاصة بكتاباته وتأثروا بها. وكان السريان الشرقيون والغربيون مهتمين بكتابات الذهبي الفم. فهذا ماروثا أسقف ميافارقين /350 ـ 429/ هو من أوائل آباء السريان الشرقيين الذين عرفوا الذهبي الفم، وربما جالسه في القسطنطينية لأنه اشترك في المجمع الذي عقد سنة /403/ لبحث الخلاف الذي نشب بين ثاوفيلوس الإسكندري والذهبي الفم، لا بل تؤكد المصادر السريانية بأن ماروثا وقف ضد الذهبي الفم، وتحزب لثاوفيلوس الإسكندري، وهذا أثّر كثيراً في نفس القديس يوحنا الذي كتب في إحدى رسائله إلى الشريفة أولمبياتس يقول فيها : لا تهملي الأسقف ماروثا بقدر استطاعتك، وأبذلي الجهد لنشله من الهوة فأنني أقدّره كل التقدير لأجل الشؤون الفارسية (1).
وبعض علماء كنيسة المشرق القديمة كانوا يقرأون كتابات الذهبي الفم فهذا حانان الحديابي /610 م/، كان متأثراً بآراء الذهبي الفم، وكذلك سهدونا الناسك /649 م/ الذي قيل عنه : لا نعرف لسهدونا شبيهاً بين الأدباء في رشاقة الأفكار وسبك العبارة سوى يوحنا فم الذهب (2).

سيرته في المصادر السريانية :
قد لا نجد في مصنفات المؤرخين القدماء سيرة قديسنا مُفصَّلة كما نراها في المصادر اليونانية، أي عن مولده وصباه، وتحصيله العلمي، وزهده، وخدماته كشماس وكاهن، وأثر عظاته التي رفعت منزلته في عيون سامعيه. وإن كان البطريرك أفرام برصوم /1957/ بصورة خاصة قد فصّل لنا مصنفاته التي نقلها السريان من اليونانية إلى السريانية قبل سنة /451/ وقد سمّاه لسان النصرانية الفصيح بعد الإناء المصطفى، ومن كبار مقوِّمي أخلاق .
1. الأب ألبير أبونا : أدب اللغة الآرامية، ط 1، بيروت /1970/، ص 98، نقلاً عن الباترولوجية اليونانية (D.G.) 52.
2. نفس المصدر، ص 272 ـ 278.

البشرية وأحذق أطبائها الروحيين وهو الطاهر في سيرته، الناسك في معيشته، الرسولي في رعايته، المقوِّم المعوَج من أبرشياته وولايته (1).

ونظم فيه قصيدة افتتحها بقوله :

كنَّارةَ القلبِ الوفيِّ ترنمـــي طرباً بيوحنا المبجّل وأنعمـي
وإلى الذي ملكَ القلوبَ بيانُــهُ ربِ الفصاحة طيبَ نغْعِك قدّمي
العسجديِّ الثغرِ أوحدِ عصــرِهِ فردِ الدهورِ وكرّميه وعَّظِمـي
إلى أن يقول :
صوتٌ كصوتِ المعمدانِ مجاهرٌ بالحق رُغم مُسَـوَدٍ ومُعَمَّـمِ
وبروحِ بولسَ منذرٌ ومبِشَــرٌ ومُعلمٌ قصْدَ الطريـقِ الأقومِ
ويختم :
عُقِمَ الزمانُ بيوحنــا الـذي زانَ الكنيسة بالبيانِ المحكـمِ
إن التقيّ مســددٌ ومؤّيــدٌ وموفّقٌ في كلِ حال فاعلــمِ (2)

ولكن إن عدنا إلى شيخ المؤرخين السريان البطريرك الأنطاكي ميخائيل الكبير، وقرأنا ما كتبه في تاريخه عن قديسنا، لوجدناه يقف إلى جانب الذهبي الفم رغم العلاقة التاريخية التي تربط بين الكرسيين الأنطاكي والإسكندري ! وفي بداية سيرته يوضح خلفية العداء بين ثاوفيلوس الإسكندري والذهبي الفم على أثر وفاة نكتاريوس القسطنطيني في خريف سنة /396/، وهو اهتمام ثاوفيلوس باختيار من يستطيع أن يعيد الكرامة إلى الكرسي الإسكندري بعد أن قرر المجمع المسكوني الثاني المنعقد في القسطنطينية سنة /381/، جعل أسقف القسطنطينية الثاني في الكرامة بعد أسقف روما، وهنا يقول ميخائيل الكبير: بعد موت نكتاريوس القسطنطيني طلب ثاوفيلوس أسقف الإسكندرية أن يرسم القس أيسيدوروس، ولما خرج الملك لمطاردة العصاة أرسل ثاوفيلوس أيسيدوروس مع هدايا ورسائل وأوصاه أن يقدمها لمن ينتصر. أما أيسيدوروس فأخذ الرسائل وهرب فخاف ثاوفيلوس وعمل جهده من أجل رسامة أيسيدوروس كي يكتم السر (3).

_________________
1. أغناطيوس أفرام الأول برصوم :
1- قيثار القلوب، حمص /1954/، ص 14.
2- الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة، حمص، /1940/، ص 563 ـ 567.
3- اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية، دار ماردين / الرها ـ حلب، ط 6، ص 174 ـ 177.
2. نفس المصدر، ص 15 و 16.
3. مار ميخائيل الكبير : تاريخه، ترجمة مار غريغوريوس صليبا شمعون، دار ماردين / الرها ـ حلب، /1996/، ج 1، ص 252.

ـ لو توقفنا عند هذه المعلومة لوجدنا هنالك تدخلاً سافراً من قِبَل بطريرك الإسكندرية وقتئذٍ في الشؤون الدينية في عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، فمصلحة ثاوفيلوس كانت أن يكون أسقف القسطنطينية شخصية ضعيفة ساذجة غير متمكنة من اتخاذ القرارات، وعندما سمع بخبر اختيار الذهبي الفم أسقفاً للقسطنطينية زاد هَلَعاً، لأن يوحنا كان قد سجل صفحة مهمة في حياة الأنطاكيين علماً، وورعاً، وحنكةً، وإدارةً، وكان لعظاته التأثير الكبير في نفوس السامعين.
وميخائيل الكبير يُشير في سيرته بعد الصفات الكثيرة التي نعتها به إلى أن يوحنا بعد رسامته أسقفاً وتسلمه دفة الإدارة، أبطل عادة الأكل في الكنائس، ووضع مقالات ضد الشراهة وحب المال، ودخل في معركة ضد عابدي الأصنام والآريوسيين، وقد وسع اهتماماته فأخذ يهتم بشعوب تراقيا، وآسيا وبنطس، ويقوِّم حياة الإكليروس قسراً ويقول : ونظراً لقسوته ضاق الكثيرون به ذرعاً وكثر حساده الذين كانوا ينتقدونه لمطالعة كتب أوريجانوس المحرومة من قِبَل ثاوفيلوس وأبيفانيوس (1)، وعاداه أقاق أسقف حلب (2)، وأنطوخيوس أسقف عكا (3)، وسويرينا أسقف جابول (4). ثم يُشير ميخائيل الكبير إلى توجه يوحنا إلى أفسس ورسامته الشماس ارقليدس أسقفاً لهم، فرفضوه، فاضطر إلى البقاء هناك فترةً (5).
في الصفحات القليلة التي أفردها شيخ المؤرخين السريان وهو يتحدث عن المراحل الصعبة في سيرة قديسنا الذهبي الفم نرى إشارة واضحة إلى العلاقة السيئة التي ربطت بينه وبين السلطة الزمنية الممثلة يومئذ بالملكة والدة ثاودوسيوس، فلقد ثارت ثائرة يوحنا بسبب تمثال الملكة المقام إلى جوار الكنيسة فسلط لسانه على الذين اقترحوا نصبه فاعتبرت الملكة كلامه موجهاً إليها، فأوعزت بعقد مجمع، وإذ علم ذلك كتب مقالاً بعنوان : جنَّ جنون هيروديا، فها هي ترقص وتطلب رأس يوحنا على طبق (6).
وفي رواية لمار ميخائيل الكبير في علاقة الذهبي الفم بغايناس يقول أن غايناس طلب من الملك كنيسة لجماعته، وكان هذا آريوسياً، فاستشار الملك يوحنا فرأى أن تُعطى له الكنيسة علَّه يحجم عما يراود ذهنه من عصيان. وقال يوحنا : دعه يأتي إلى هنا وأنا أناقشه. فلما دخل غايناس وطالب بالكنيسة قال له يوحنا : ليس للملك البار بسلطان على الشؤون الكنسية، فإن الكنائس أمامك أدخل إلى آيةِ منها تشاء (7). فقال غايناس : لقد جاهدت كثيراً
من أجل الرومان، فقال يوحنا : لقد كوفئت أكثر من جهادك، فأنت قائد الشرطة، ونلت حلة الولاية فعليك أن تتأمل ما كنت عليه بالأمس، وما أنت عليه الآن. فسكت غايناس.
_________________
1. مار ميخائيل الكبير، ص 253.
2. نفس المصدر، ص 253.
3. نفس المصدر، ص 253.
4. نفس المصدر، ص 253.
5. نفس المصدر، ص 253.
6. نفس المصدر، ص 257.
7. نفس المصدر، ص 255.

ويستطرد مار ميخائيل الكبير ويقول : ولكن بعد فترة أعلن غايناس العصيان، ودمّر تراقيا، ولم يجرؤ أحد التوسط لديه فطُلب إلى يوحنا أن يذهب إليه ففعل دون أن يفكر بالخصام القائم بينهما، فلما عَلِمَ الطاغية بمجيئه، استغرب جداً، وخرج يستقبله عن بعد، وأمسك بيمين القديس ووضعها على عينيه، وقرّب أولاده من ركب البطريرك. وهكذا نراه يقرّب الفضيلة إلى من هم أكثر الناس وقاحةً. والمؤرخ ميخائيل الكبير يتحدث عن أمور أخرى منها قيام أبيفانيوس القبرصي برسامة شماس في كنيسة قسطنطينية من دون إذن يوحنا، وقصة الأخوة الأربعة الطوال، الذين ذهبوا لزيارة أسقف القسطنطينية، وشكوا ما لاقوه من اضطهاد شنّه عليهم ثاوفيلوس الإسكندري، ولكن مار ميخائيل الكبير وجد نفسه في حرج عندما أراد أن يشرح خلفيات كل ما حصل للقديس يوحنا الذهبي الفم، ووضعها في عبارة واضحة يستشف منها كيف أنه كان يعيش بين حالتين : حالة الدفاع عن هذا القديس البار التقي والبريء من التهم التي وجهت إليه، وحالة استغراب من رؤساء كان لهم وزن كبير في المسيحية يومئذ، والعبارة تشرح موقف المؤرخ وهي : وإذ لم يتحمل الحسد أشعة فلسفة يوحنا حرم كل الأرض من منهل علومه. أما أنا فإذا ما أردت التحدث عما أقتُرف بحق الطوباوي من جرم، فإني أخجل من فضائل الذين أخطأوا بحقه، وكدت أغض النظر عن ذكر أسمائهم لولا أن الأمر يقتضي عدم العبث بالحقيقة (1). ميخائيل الكبير الذي عاش في نهايات القرن الثاني عشر يختم قصة الذهبي الفم بقوله : ليكن ذكره عوناً، وصلاته إِزراً في العالمين آمين (2).

مصنفاته :
إذن تكمن شهرة الذهبي الفم في أمرين، الأول : جهاده المستميت في سبيل أن يقوّم الأعوجاج في الكنيسة، إذ كان حريصاً جداً على أن يرى كنيسته خالية من الشوائب، بعيدة عن العادات الوثنية الممارسة فعلياًَ حتى تلك الأيام من قِبَل عدد كبير من أبناء الكنيسة، بعيدة كل البُعد عن التأثير السياسي أو الخارجي، الذي يمكن أن يلعب دوراً في تشويه رسالة المسيح الخلاصية، وأخيراً مقارعة الإكليروس المنحرف وكان عددهم كبيراً، وهؤلاء خططوا لإزاحة الذهبي الفم عن كرسيه ليتسنى لهم تنفيذ مآربهم البعيدة عن القانون الكنسي. الأمر الثاني : مصنفاته ونتاجه الفكري الذي يقسم على قسمين، القسم الأول : يشمل الخطب الكثيرة التي فاه بها في مناسبات عدة، والسريان نقلوا من اليونانية إلى السريانية ما لا يقل عن مئة خطبة بدءاً من أحد تقديس البيعة، وإلى أحد العنصرة. وثانياً : كتاب في الكهنوت. وثالثاً : رسائل متنوعة منها رسالتان في الندامة، والإرشاد أنفذهما إلى ثاودورس، ورسالة لتعزية المنفيين عن الوطن. يقول في هذا الصدد ميخائيل الكبير : لقد وضع دراسات وتفاسير قيّمة للأسفار
1. مار ميخائيل الكبير، ص 255.
2. نفس المصدر، ص 258

المقدسة لا يخطئ من يصفها بالبحر الهادر. ومن اليسير على محبي الحق معرفة عظمة هذا الرجل من فقهه (1).
وقال المؤرخ الشرقي داود أنه عثر على مصنفات له بين الكتب التي جمعها المهدي خليفة المسلمين في بغداد (2)، ويقول ميخائيل الكبير أيضاً أنه لدى مغادرته وهو في طريقه إلى المنفى كتب على باب كنيسة أنطاكية في القسطنطينية : لقد تركت للكنيسة بالموهبة التي منحها الله ثلاثمائة مجلد من تفاسير ومقالات وتراجم وتاريخ وسواها (3). أما البطريرك أفرام برصوم فيؤكد أن من خطب الأعياد للذهبي الفم معروفٌ عند السريان مئة وخطبة واحدة، خمس وثلاثون منها محفوظة نسخها في البطريركية السريانية، بالإضافة إلى كل هذا توجد له ليتورجية معروفة باسمه، وكذلك تستعمل الكنيسة السريانية أناشيده، والتي تسمى الاستيخارات.
وأخيراً بعض عظاته تُرجمت من السريانية إلى العربية. فالبطريرك أفرام برصوم نقل ميمراً في تقديس البيعة من السريانية إلى العربية، ونحن نشرنا في حلب خمساً وثلاثين خطبة دمن السريانية إلى العربية، نقلها مار ملاطيوس برنابا مطران حمص وحماه سابقاً من السريانية إلى العربية، بدءاً من تقديس الكنيسة وحتى صعود الرب إلى السماء (4).


المطران يوحنـا ابراهيـم
متروبوليت حلب للسريان الأرثوذكس


الترجمة الأرمنية لمؤلفات القديس ذهبي الفم (307-347)

 

السادة المطارنة الاجلاء , الأساقفة , الاباء الأفاضل , الأخوات المؤمنات و الأخوة المؤمنون.

1-في لقائنا هذا سنتفاضى الحديث عن سيرة الذهبي الفم , موضوعنا لن يكون محاضرة أكاديمية. سوف نصف الترجمات الأرمنية الواردة الينا فقط .و اذا بقي لنا بعض الوقت , سوف نتطرق إلى عملٍ أو اثنين و نبرز أهمية محتواه .

2-لنا بالغ السرور أن نشير أنّ لقاءنا اليوم له معنى مسكوني لسببين هما:أولاً-شهرته من قبل مجامع الكنائس كأكبر لاهوتي ارثوذكسي و كوجه مشرق حيث نحتفي بالذكرى السنوية 1600 له.-ثانياً-كما في الماضي ,اليوم أيضاً و كمفهوم مسكوني تلتف الكنائس وبلإجماع حول شخص بطل الإيمان بنفس الروح المؤمنة و الوحدة الكنسية.

3-كما أسلفنا أن لذهبي الفم عند الأرمن اعتبار خاص لسببين:الأول-أنه كان ليوحنا ذهبي الفم علاقة مباشرة مع الأرمن خاصة في رسالته كمربي مسيحي. لهذا السبب يعتبرونه " قديس أرمني" و أكثر أعماله مترجمة إلى اللغة الأرمنية, و لأجل هذا نقول عن القديس الذهبي الفم أنه متكلم أرمني كما أن اللقب الذي أعطي له "ذهبي الفم" أصبح اسم علم يستعمل عند الأرمن. و الثاني-هو أنه و ليومنا هذا اهتمام الشعب و رجال الدين به ما زال قائماً و نذكر مثالين من أسلافنا رئيس أبرشية حلب السابق و بعد ذلك الكاثوليكوس زاريه الأول حيث كتب أثناء أعوام الرهبنة دراسة عنه تشرّفنا و سررنا بطباعتها مؤخراً في انطلياس.و في ارمينيا طبعت بعض من مؤلفاته في سياق طباعة الآبائيات و نعمل الآن لطباعة باقة من مؤلفاته في أبرشية حلب و ارمينيا.

4-تعتبر مؤلفات ذهبي الفم الأروع في نتاج الآباء المشرقيين الأربعة الكبار اثناثيوس و القديس باسيليوس القيصري و القديس كريكور نازيانزاتسي الكبير.,حيث تعتبر مؤلفاته مكتبة متكاملة. تحتفل الكنيسة الأرمنية بعيده مرتين كل عام, الأسبوع السابع الذي يلي عيد الصليب و بالأخص يوم الخميس, و الثاني آخر سبت من شهر تشرين الأول مع ذكرى يوم "الآباء الاثنا عشر".إن مواعظ يوحنا الذهبي الفم تتميّز بالبلاغة و الفصاحة العالية, ينفذ برقة النفس البشرية بسبب فصاحته,عن عظته الروحية اشتهر ب"ذهبي الفم" كما له أعمال خيرية للفقراء.

في الكنيسة الانطاكية نجده يعتني و يهتم و يطعم حوالي ثلاثة آلاف من الأيتام و الأرامل و المساجين. ينتخب عن غير إرادته بطريركاً للقسطنطينية. بجرأته الخارقة ينتقد العادات الغير حميدة, يلقى معارضات و بوسائل دنيئة يفضحون سمعته, ينفونه إلى كيليكيا في كوكيسون, يبقى بعد ذلك ثلاثة أعوام في زمن الامبراطور اركاتيوس ثم ينفى إلى صحراء قاحلة لكن قبل أن يصل إليها يقضي أجله.

5-وصلت إلينا من أعمال القديس يوحنا ذهبي الفم مؤلفات غنية, منها: كتب تفسيرية, عقائدية, خطابية, مجادلات, مواعظ و مدائح- لعبت دوراً هاماً في تطوير الفكر المسيحي من حيث الشكل و المضمون و نموذجاً قياسياً في التقليد الكنسي , و من أعماله تفسير العهدين القديم و الجديد (من العهد القديم ) "التكوين", "المزامير", "اشعيا", "ارميا", "نبوءة دانيال", "أيوب" و بعض المقاطع من "ملوك الأول". (من العهد الجديد) "الأناجيل" خاصة انجيل متى و يوحنا و أعمال الرسل و أعمال بولص الرسول. و من خطبه المشهورة في الكهنوت, الكتاب المسمّى "من أجل طبيعة الله اللامدرك" مبيناً فيه قدرة الله الفائقة و طبيعته المدركة ضد الهراطقة و الوثنيين, والذين يناقضون فكرة الميتافيزيقيا في الديانة المسيحية, و طبيعة الابن مع طبيعة أبيه.

و في خطبه الأخلاقية يمدح المحسنين و الفضائل المسيحية (من الأفضل العطاء عوضاً عن الأخذ)من مبدأ بولص الرسول(الرسالة الأولى إلى كورنثيوس 16: 1-4) لهذا سمّي بالقديس "يوحنا الرحوم". رسائله تعدّ ب 236 رسالة.

6-إن كتب التفسير ليوحنا ذهبي الفم صيغت على نهج الممارسة اللاهوتية الأنطاكية المتميّزة بخصائص ذاتية في الفقه و النحو و اللغة في العهد القديم و خاصة "الترجمة السبعينية" مبيّنة المعاني الدقيقة للقطع المفسّرة, الأسلوب المطبّق في تفسير الفقه مطبّق أيضاً في العهد الجديد.

أثناء تفسير انجيل متى يرفض الآراء الخاطئة في بدع مانيكية و الذين يقولون أن العهدين القديم و الجديد يختلفان في المضمون و يبرز أن في العهدين القديم و الجديد المشرّع هو نفسه الله.

في تفسيره انجيل متى يقارنه مع باقي الأناجيل, و مع شرح كل مقطع يتبعه مرشد الذي يشكّل تأجيج للأمور و بنفس الوقت استنتاج أخلاقي. أثناء تفسيره خطاب و انجيل يوحنا الذي يلقى أثناء رتبة الصلاة الصباحية يحمل صفة معارضة موجّهة لأتباع أريوس, أكبر إنجاز تفسيره لرسائل بولص الموجّهة إلى أهل روما المؤلّفة من 32 تفسيراً و الذي يحتل مكانة فريدة في تفسيرة "أعمال الآباء"

7-إن سيرة القديس يوحنا ذهبي الفم و مؤلفاته مرتبطة بأشكال عديدة مع الواقع الأرمني .

العالِم فريديريك كونيبير يستخلص التالي" إن الترجمة الأرمنية لها قيمة كبيرة كما النسخة الأصلية باليونانية ". و بالنظر لمؤلّفاتنا: إن ذهبي الفم له أهميّة كبرى, ليس لأن معظم أعماله مترجمة من قبل الآباء الأرمن في القرن الخامس بعد اكتشاف الأبجدية الأرمنية و ترجمة الكتاب المقدس مباشرة فحسب, بل لأن تأثيره كبير في الأدب الأرمني خصوصاً من الناحية اللاهوتية و التفسيرية, لغة الترجمة و أسلوبها التقليدي و دقّتها و جماليّتها. إن مراكزنا لحفظ المخطوطات لديها مؤلفات أو نماذج عنها كما في مكتبة القديس ماشدوتس في يريفان و في القدس, البندقية, فيينا, دير بزمار و انطلياس.
أول تأليف هو "تفسير انجيل القديس يوحنا" مطبوع 1717 و هو مؤلّف من 87 خطبة و نصائح, و كل خطبة تعتبر كتاباً للتحدث مع الله. طُبع من أعماله أيضاً "ثناءات" 1734 مهدى للقديس كريكور المنوّر, حيث كتبه ذهبي الفم في المنفى بطلب من الأرمن و ألقاه أمام الجموع المنهكة "طوبى لك يا صحراء أرمينية, جمعت الشمس في حضنك و أضئت شعاعها بضياءك".

و على غرار اعماله كتب "المُنَقّى", "المدح" و "الخطاب" (ج 1 و 2) المطبوعة عام 1826 و تفسير رسالة بولص المطبوعة عام 1862.


كل ما ذكر من تفسيرات هي من منشورات البندقية. من أهم تفسيراته, تفسير نبوءة اشعيا (لأن معظم أجزاء النسخة اليونانية الأصلية قد ضاعت, و بقيت النسخة الأرمنية المطبوعة عام 1880). كذلك ترجمت نبوءة حزقيال و أناجيل مرقس و لوقا و الرسائل عامة تفسيراته الجزئية, و له ترجمة من قبل الكاثوليكوس كريكور الثاني فكاياسير "سيرة يوحنا ذهبي الفم" و التي طبعت عام1751 في البندقية تحت عنوان "تاريخ السيَر". إن مؤلفاته المترجمة إلى الأرمنية استخدمت بشكل واسع من قبل الكتّاب و المفسّرين أمثال: انانيا ساناهنيسي و سركيس كونت و كيفورك سكيفراتسي و وارطان اريفيلكتسي .أما من المؤلفات العقائدية فنجد " ختم الإيمان و جذور الإيمان" و بعض الأعمال الأخرى.


خطوط عامة و خصائص من أجل جيلنا

1-ليس هناك ازدواجية بين سيرة القديس يوحنا ذهبي الفم و بين أعماله, بل ايمانه بيسوع المسيح و كنيسته كان ايماناً كاملاً. تكلّم بجرأة و صدق عن المشاكل الحياتية, فأرشد المضللين, أنّب الملحدين, حارب من أجل العدالة و المساواة و رفض بإيمان ارثوذكسي مستقيم البدع التي ظهرت داخل الكنيسة المسيحية و خارجها.

2-إن رسالة يوحنا ذهبي الفم معاصرة و حديثة كما هو الكتاب المقدّس, و كانت كافة أحاديثه و تفاسيره من إلهام سماوي و بمنطق واضح. كان يسعى تقديم تحليله النحوي قبل تقديم إيضاحاته.

3-إن حياة القديس يوحنا ذهبي الفم حياة عالِم كبير, ذو معرفة عميقة و مسؤلية واعية , و إتصاله الدائم بجواره و مع خالقه و مخلّصه.


فقرات و مقاطع من ذهبي الفم

المترجم إلى العربية عن الترجمة الأرمنية القديمة

تفسير متى من المجلد (أ), الخطبة رقم 13

إرشاد (أ) من المجلد (أ) من الخطبة 13- يجب أن نتشابه لسيدنا كي ننتصر على الشيطان, و مثال ذلك أيوب الذي يقول بأنه هناك محكمة و تعويض حسب الأعمال, إذاً: بناء عليه, بما أن كل شيء صار لأجلك, كن غيوراً لهؤلاء و تشبّه بذلك المنتصر, إن قام الشيطان أو من أحد مستشيريه من الإقتراب منك و إن أهانك بقوله, إن كنت صاحب أعجوبة أو إذا كنت عظيماً, غيّر هذه الحبال, حينئذ لا تنزعج و لا تتصرّف متوحشاً, بل تصرّف بلطف و قل له كما سمعت من سيدنا:<لا تجرّب ربّك> و بعد ذلك إن أعطاك المجد و المال و أمرك بأن تعبده, قف حازماً من جديد لأن الشيطان لن يفعل هذا لسيد جميع الناس بل ينصب كميناً كل يوم ليس في الجبال و الصحارى أو في أنفسنا بل في المدن و الأزقّة و عن طريق أقربائنا أيضاً.

إذا ماذا يجب أن نفعل؟ً يجب أن لا ترضخوا له, بل يجب أن نسدّ آذاننا, و إن رضخت للشيطان و إن وعدنا بأشياء كثيرة, حينئذ يجب أن نوالي أنظارنا منه. عندما خضع الشيطان حواء و جذبها إليه بآمالٍ, و بعد ذلك دمّرها و فعل أخطاءً كبيرة, و لأن الشيطان هو عدوّنا بدون تأثير يتحارب معنا برصانة, بتعقّل, و نحن لا نجتهد لأجل خلاصنا أكثر لأجل ضياعنا من ذاك الوقت يجب أن نكرهه ليس بأقوالنا بل بأفعالنا و ليس بأفعالنا بل بالحداثة, و أن لا نفعل شيئاً يرضيه, بل بما يرضي الله, لأنه يعدنا أشياء كثيرة ليس لكي يعطينا بل ليأخذ منّا, يعدنا حصّة بالإختطاف كي يعيد العدالة و الملكوت و يدبّر فخّاً كي يحرمنا من ملكوت السماوات, و يريدنا أن نكون أغنياء في العالم كي نغنى هناك.و إذا لم يسطتع حرماننا بالغنى من ذلك النعيم يأتي بطريقة أخرى عن طريق الفقر, كما فعل بأيوب, لأنّه عندما رأى بأن الغنى لم يبدي شيئاً له, رمى سنّارة مفكراً أنّه رأى وسيلة لهذا الشيء, كم يقدر أن يقاوم الفقير التقشّف و من لا يطمع بأشياء القريبة, لا يبحث في البعد أيضاً, كما الطوبوي أيوب بعدئذٍ الفقر بدّله إلى مستنير.


-عندما نخطئ و لن ننال الجزاء عندئذ يجب أن نفزع أكثر, لأن الله عندما يرسل العقوبات العقوبة تلو الأخرى قليلاً- قليلاً يخففها لأنّه صبور على خطايانا.و إن لم نتّعظ فإنّه يجازينا بالأكبر.


-إن الذي وهبك المجد و التقوى, و جعلك كالملاك و بعد كل عمل مضنٍ, هل سيخفي النظر عنك؟ كيف يكون كل هذا عادلاً إذا سكتنا نحن؟ ستصيح الأحجار, لأنها كانت أكثر إضاءة من أشعة الشمس.


بعد التفكير نهدء روحنا و قلبنا لأن ذهابنا من هنا إلى هناك يعني المواجهة وجهاً لوجه أمام القضاء و مقابل أفعالنا سنعطي الحساب و ننال العقاب, و إذا تيقّظنا لأنفسنا سننعم بالاكليل و الخيرات التي لا توصف.




 المطران شاهان سركيسيان

رئيس أبرشية حلب و توابعها

 


 

يوحنا الذهبي الفم في التقليد البيزنطي

يعتبر القديس يوحنا الذهبي الفم واحداً من أهم آباء التقليد البيزنطي نظراً لما قدَّمه لهذا التقليد من كتاباتٍ وشروحاتٍ وتفاسيرَ متعددةٍ ومتنوعةٍ ولما ساهم فيه من إغناءٍ لليتورجيته. فبالإضافة إلى الأفاشين المتنوعة والتي من أهمها ما وُضع ضمن ما يعرف بصلاة المطالبسي (صلاة قبل المناولة) وإلى الصلاة الجميلة التي تقال على عدد ساعات الليل والنهار الأربع والعشرين، هناك ميمره المعروف والمحبوب الذي يقرأ في قداس عيد الفصح وهناك أيضاً، وهذا يعتبر قمة تقدماته الليتورجيّة، القداس الذي عُُرف باسمه: قداس يوحنا الذهبي الفم والذي يقام كل أحد من آحاد السنة باستثناء عشر مرات يقام فيها قداس القديس باسيليوس الكبير.
أصل القداس وتاريخيته:
يشير القديس ليونديوس البيزنطي 532 في معرض حديثه عن الليتورجيا إلى قداس الرسل وقداس باسيليوس الكبير فقط ولا يرد على ذكر قداس يوحنا الذهبي، ولكن كثيراً من الدارسين يؤكدون أن القداس المشار إليه بقداس الرسل هو القداس الذي تكون في أنطاكية حوالي 350 م والذي هو أساس القداس المعروف اليوم بقداس القديس يوحنا الذهبي الفم.
هناك أيضا مخطوطات قديمة تذكر أن أفاشين قداس الموعوظين وأفشين تحضير الذبيحة بالإضافة إلى أفشين وراء المنبر "ΟΠΙΣΘΑΜΒΩΝΟΝ" هي للقديس يوحنا الذهبي الفم. كما أن الدراسات الحديثة تؤكد بالإضافة إلى ذلك أن قسماً كبيراً من باقي القداس له ما يماثله في كتابات قديسنا لهذا اتفق الجميع، رضىً وعدلاً، على إطلاق اسمه على كامل القداس. ويمكننا إعطاء المثال التالي نبين فيه أنه هناك أفاشين في القداس الإلهي لها صدى في كتاباته1:

افشين التقدمة من كتابات الذهبي الفم
غير الموصوف، غير المدرك، الذي هو غيرُ موصوفٍ وغير مدرك غير المنظور، الدائم الوجود وغير منظور، الدائم وجوده

هذه المعلومات كانت كافية لإقناع الجميع أنه تحت إشراف هذا القديس تم تشكيل قداس في القسطنطينية يحتوي في أساسه نواة القداس الذي كان معروفاً في العصر الرسولي وما بعده، بالإضافة إلى بعض الأفاشين التي أضيفت إليه في أنطاكية قبل زمن الذهبي الفم ثم قام هو نفسه بإضافة أفاشين آخر فحصلنا على الشكل الحالي المعروف لدينا الذي تؤكد الدراسات أنه على الأغلب قد اخذ شكله النهائي حوالي القرن الثامن الميلادي. هذا القداس الذي يحتوي على نواة القداس الرسولي ابتدأ بالانتشار منذ عهد الذهبي الفم كرئيس أساقفة للقسطنطينية وأخذ تدريجياً يحل محل الليتورجيات الأخرى والأسباب الرئيسة وراء ذلك كانت2:
1) أنه يحتوي على هيكلية متناسقة.
2) خدمته واضحة وبسيطة.
3) افاشينه قصيرة.
4) غني بالعناصر اللاهوتية التي تبني المؤمنين وتدحض الهراطقة.
هكذا إذا يمكننا الافتراض من كل ما تقدم أن القديس يوحنا الذهبي الفم استخدم نواةَ قداسٍ كان معروفاً في منطقة سوريا حوالي القرن الرابع وكان مستخدماً في كل كنيسة أنطاكية. وحين انتقل إلى عرش القسطنطينية (398-404) اخذ معه هذه الخدمة وأضاف إليها بعض الأفاشين فطبعها بطابعه الخاص.


قداس يوحنا الذهبي الفم:
يتكون القداس من قسمين رئيسين: 1) قداس الموعوظين- 2) قداس المؤمنين.
اليوم بالرغم من عدم وجود موعوظين كما كان الحال عليه في القرون الأولى فإن القسم الأول من القداس باق ولكن هناك بعض الطلبات والإعلانات التي تُحذف عادة وخاصة في الرعايا كنتيجة للوضع الجديد.
أحد الباحثين الغربيين يصف قداس الذهبي القول قائلا: "في هذه الخدمة يجد المرء ترابطاً بين العظمة البشرية والسر الإلهي ... فيها يجد البشارة بتجسد وحياة وموت وقيامة السيد. فيها يجد المرء أيضاً البساطة الطفولية والفلسفة العميقة، الإحساس بالغبطة والشعور بنخس القلب، البهاء العظيم واللمعان المتواضع. لا يوجد ولا أية خدمة ليتورجيّة أخرى تحتوي على كل الاهتمامات الأرضية والآمال السماوية. ولا خدمة أخرى تليق بالقيمة الإنسانية وبالجلال الإلهي، إنها رتبة الرتب الكنسية".

هيكلية القداس البيزنطي:
يسبق القداس الإلهي عادة فترة تحضير يأخذ فيها الكاهن ما يعرف باسم "الكيرون" وهو الإذن للقيام بالقداس الإلهي: صلاة يصليها الكاهن من أجل أن يؤهله الرب للقيام بالقداس. (في حال وجود رئيس كهنة يتم اخذ الكيرون منه مباشرة). ثم يلي ذلك ارتداء الكاهن للملابس الكهنوتية الخاصة بالقداس ليبدأ بعدها بإعداد الذبيحة في المكان المخصص لذلك (المذبح).

القداس البيزنطي يتكون من الأقسام التالية:
1) البداية "مباركة هي مملكة الآب والابن والروح القدس"- 2) الطلبة السلامية الكبرى- 3) الأنديفونات الثلاث (الأنديفونة الأولى: مزمور 102 أو بشفاعات والدة الإله- الأنديفونة الثانية: مزمور 145 أو خلصنا يا ابن الله- الأنديفونة الثالثة: التطويبات (متى 1:5-12)- 4) الدخول الصغير بالإنجيل والطروباريات والقنداق- 5) التسبيح الثالوثي- 6) القراءات: الرسالة والإنجيل- 7) الشروبيكون والدخول الكبير بالقرابين- 8) الأنافورا وقانون الإيمان- 9) الصلاة الربانية- 10) الكينونيكون- 11) المناولة- 12) الشكر وأفشين خلف المنبر- 13) الختم.

القداس الإلهي كأول اهتمام من اهتمامات الذهبي الفم:
كما كان شخص يسوع المسيح وأعماله هما محور لاهوت القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا كان سر القداس الإلهي الاهتمام الأساسي له كلاهوتي وراعٍ. حاول جاهدا أن يشرحه وان يهيئ المؤمنين للاشتراك به. لا أحد، لا قبله ولا بعده، أصر مثله على التحليل اللاهوتي لسر الشكر ولا أحد استطاع أن يوضح ذلك بطريقة بسيطة ومقنعة في نفس الوقت.
هكذا في كتاباته لدينا واقعية كبيرة ربما هي الأكبر في تاريخ اللاهوت والتي كانت تزعج اؤلئك الذين، بكلامهم أو بصمتهم، لم يكونوا يتوافقون معه. كان الإزعاج كبيرا لأن الذهبي الفم كراع ومعلم كان يشعر بضرورة استخدام صور ورموز من الحياة اليومية للوصول إلى هدفه. تلك الصور كانت مرتبطة غالباً بالطعام وبطرق الأكل والشرب. هذه الأمور وُصفت على أنها (شارعية) وتحط من قيمة وعظمة السر الإلهي الرهيب ولكنها حقيقة يجب أن تفهم في إطار محاولات الذهبي الفم لتعليم وشرح وإفهام وتهذيب وتثقيف المؤمنين الذين كانوا على معرفة لاهوتية ضئيلة إن لم تكن معدومة. الذهبي الفم اضطر لأن يشرح ما يحصل في القداس الإلهي بشكل مبسط لأنه لم يسبق لأحد قط، ولا حتى الأنبياء، أن تكلموا عن سر فيه يتم أكل جسد للحصول على الخلاص! حتى الملائكة كانت تجهل هذا السر وهي حتى الآن في كل مرة يقام فيها هذا السر تنظر بورع وخوف إلى ما هو حادث3. في هذا السر يشترك المؤمنون –الممثلون الشيروبيم- مع الملائكة بحال سري غير منظور ليتمموا معاً هذه الخدمة التي تليق بالسيد (رئيس الكهنة الأعظم) فتتكون لدينا خلال إتمامها الكنيسة كاملة -الظافرة والمجاهدة. هكذا تصبح خدمة القداس الإلهي عمل مشترك بين البشر والملائكة الذين يعملون ويمجدون معاً أبوة وصلاح الله ويرتلون معا الترنيم المثلث تقديسه فتتحد السماء مع الأرض والمرئي مع غير المرئي والعبادة البشرية العقلية تدخل السماء. هذه الوحدة خلال القداس الإلهي هي الدليل القاطع والحي على إمكانية شركة الإنسان في حياة الثالوث الأقدس4. هكذا نستطيع أن نفهم أنه بينما تحاول الخدم الليتورجيّة عادة إنزال السماء إلى الأرض تحاول خدمة القداس رفع الإنسان إلى السماء "لنرفع قلوبنا إلى فوق" ليدخل في السر الإلهي .
إن القداس الإلهي الذي يقيمه الكاهن يتطابق تماماً مع العشاء الذي أقامه السيد مساء الخميس العظيم في العلية (مر 15:14- لو 12:22) طالما أن السر يقام بواسطة "المُقدس" وبه يتم تحويل الخبز والخمر إلى جسد ودم السيد. ليس من سبيل العبث إذا أو من سبيل الصدفة أن يشدد الذهبي الفم على موضوع مطابقة العشاء السري مع القداس الإلهي الذي يقام الآن طالما أنه كان هناك مشككون ووجب عليه كراع أن يشدد المؤمنين بشكل لا يتزعزع وينبههم إلى قداسة وأهمية أسرار الكنيسة. القداس الإلهي ليس فعلا نتذكر به ببساطة العشاء السري وما حدث في العلية أو الحدث الذي تممه السيد مع تلاميذه بل هو فعل مطابق تماما لما حصل وتم من نفس الشخص أي من السيد المسيح ذاته.
هذا الفعل ممكن وهو حقيقة لأنه منذ العنصرة وحتى الآن ما زال عمل السيد المسيح مستمرا بواسطة الروح القدس، الأقنوم الثالث من أقانيم الثالوث الأقدس والمساوي للآب والابن في الجوهر. هكذا الكاهن يصلي ويعمل وينجز ولكن كأداة لله فقط. السر يتم بواسطة الروح القدس الذي يستدعيه الكاهن أثناء إقامة السر. نعمة وقوة الروح القدس تحول القرابين، الخبز والخمر، إلى جسد ودم السيد عينهما. هذا من المستحيل أن تقوم به الطبيعة البشرية ولكنها بفعل الروح القدس تتم ذلك وتصبح كنيسة. في حديثه عن الكهنوت يوضح قديسنا بشكل لا مجال فيه للريبة أن الكاهن يستدعي الروح القدس من أجل إتمام السر ومن اجل السكن في نفوس المشتركين في هذا السر ليصبحوا مستعدين روحياً لهذا الحدث الجلل: " أيها الرب الإله الضابط الكل ....أهلنا لأن نجد نعمة أمامك ...ويحل روح نعمتك الصالح علينا وعلى هذه القرابين المقدمة وعلى شعبك كله..".
هكذا بالرغم من التشديد الكبير على موضوع "استدعاء" الروح القدس فإن الذهبي الفم لا يفتر يُذكر دائماً بالتطابق بين سر الشكر وبين العشاء السري مؤكدا أن "المُقدس" في العشاء السري هو نفسه الذي يقدس القرابين في القداس الذي يقام اليوم5.

حقيقة الافخارستيا:
منذ زمن القديس اغناطيوس المتوشح بالله الذي كتب في أوائل القرن الثاني الميلادي فإن الكنيسة تعيش وتعلّم حقيقة الافخارستيا ولكن مع كتابات الذهبي الفم فإننا نجد كتابات تحتوي على أعمق وأقوى التعاليم والتحاليل الخاصة بسر الشكر. قديسنا يستند في تحليله ليس فقط على الكلمات التأسيسية التي تفوه بها السيد المسيح خلال العشاء السري ولكنه يستند أيضاً على اللاهوت البولسي عن حقيقة جسد المسيح الذي نتناوله.
الإنسان -عضو الكنيسة- يولد ويحيا وينمو، بكل معنى الكلمة، في المسيح الذي يتناوله جسداً ودماً في القداس الإلهي. هكذا تتحقق الشركة أي الوحدة بين الإنسان المؤمن والمسيح وفي نفس الوقت بين كل المؤمنين أعضاء الكنيسة.
قديسنا، محللاً حقيقة سر الشكر، يفصل بين الأخلاقيات وبين السر فيقول أنه في السر ليس الأمر مجرد محبة تولد بداخلنا نحو السيد إنما هو تناول وبشكل مباشر لجسد المسيح. المحبة تتولد تماماً من أكل الجسد أي عن طريق اتحاد كل المؤمنين بالمسيح حيث يصبحون جسماً له رأس واحد، المسيح. هذا يعبر بالتأكيد عن "الرغبة و الشوق" الذي يكنّه المسيح لنا ولكن أيضاً عن "الشوق والرغبة" التي يجب أن نشعر نحن بها تجاهه. كثير من المسيحيين يقولون اليوم: "ليتني شاهدت شخصه وأبصرت مُحيّاه ولمست ثيابه وحذائه!" والحال أنك تراه وتلمسه لا بل وتأكله.
قمة محبة الله لنا، بالنسبة للذهبي الفم، هي أن السيد لم يكتفِ بأن يظهر على الأرض أي بأن يجعلنا نراه فقط. فلم يهبنا إمكانية رؤيته فقط بل أراد أن نذوقه فعلاً ونمضغه بأسناننا وأن نأكل جسده.(مثل هذه الصور والتشابيه أدينت من قبل بعض اللاهوتيين الغربيين نظرا للتشابيه اليومية التي يستخدمها القديس كما ذكرنا أعلاه).
في الديانات الأسرارية كل سر هو فكرة أو رمز لفكرة. القداس هو الحدث نفسه معبراً عنه بكلمات ومواد. كل ما يعلن هو حقيقة وليس رمز. لهذا يؤكد قديسنا أن الدم الموجود في الكأس المقدسة والذي يتناوله المؤمنون هو نفسه الدم الذي أهرق من جنب السيد على الصليب (في بعض أيقونات الصلب نرى ملائكة تحمل كأسا تستقبل فيه الدم المهراق من جنب السيد).
الاتحاد الذي يحصل في سر الشكر بين المؤمن والسيد المسيح هو اتحاد حقيقي كما هو الاتحاد بين الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية في شخص المسيح نفسه6. هكذا فإن الشيء الذي نتحد معه في المناولة هو الجسد المؤلَّه للمسيح أي هو نفس الجسد الذي صعد إلى السموات وجلس عن يمين الآب على العرش السماوي7. علاوة على ذلك فإنه لن يكون للمناولة معنى خلاصي إن لم تكن وحدتنا مع جسد المسيح الإلهي-البشري وحدة كيانيّة. هذا الجسد الذي يُعطى لنا بالمناولة كطعام يقودنا إلى الحياة الأبدية، إلى حياة خالدة خالية من الموت.

القداس الإلهي كذبيحة:
في هذا الموضوع أيضا فإن الذهبي الفم يتعمق ويحلل ويقدم للكنيسة شروحات وتفسيرات لم تعرفها من قبله بهذا الاتساع والشمولية.
كل التدبير الإلهي للابن، من لحظة تأنّسه وحتى لحظة صعوده هو ذبيحة وفي نفس الوقت تقدمة. أي أن السيد المسيح قدم نفسه ضحية للآب السماوي وتلك الضحية بدأت مع تجسده واكتملت على الصليب.
ذبيحة المسيح لها نفس شكل ذبيحة رئيس الكهنة في العهد القديم. هذا كان يدخل مرة في السنة إلى قدس الأقداس وهناك كان يقدم ذبيحة (ضحية). كان يضحي بحيوانات عن خطايا الشعب. الآن مع المسيح الذبيحة هي المسيح نفسه الذي أُجبر من فيض محبته للبشر ليس فقط أن يتأنّس ولكن أن يذوق الموت أيضا لأنه بذلك ستصبح ذبيحته مفهومة أكثر وسيكون لكل التدبير الإلهي الخلاصي نتائج ملموسة وحقيقية.
لكن هذه الذبيحة لا تقدم في قدس الأقداس حيث الهيكل في العهد القديم بل في السماء نفسها حيث الذبيح كائن، كما يؤكد الذهبي الفم8. هذه التقدمة التي اكتملت بصعود المسيح تبين السبب الذي من أجله توصف ذبيحة المسيح على أنها تقدمة ورفع ((προσφορά και αναφορά .
رئيس الكهنة في العهد القديم كان يعيد الذبيحة كل سنة لأن ذبيحته لم تكن شافية بالكلية للشر والخطيئة والمرض الروحي للبشرية. بينما ذبيحة المسيح كانت كافية للأبد لأنها قضت على قدرة وتسلط الشرير. الذبيحة في العهد القديم كانت رمزاً لذبيحة المسيح.
يمكننا أن نفهم الفرق بين الذبيحتين إذا قارنا بين صورة إنسان مثلا وبين الإنسان المصوّر فيها. الصورة تبين شكل الإنسان المصوَّر ولكن القيمة الكبرى هي للإنسان نفسه لا للصورة9.
القداس الإلهي هو "ذكرى" الذبيحة الواحدة:
قسم كبير من مستمعي الذهبي الفم في أنطاكية كانوا من اليهود الذين كانوا يعيشون حياة دينية ملتزمة وهذا النوع من اليهود كان موجودا أيضا في القسطنطينية. هكذا عندما ميّز قديسنا بين تقدمة رئيس الكهنة وبين تقدمة المسيح أثار ذلك ردود فعل مبررة في صفوف اليهود أولاً وفي صفوف المسيحيين ثانياً طالما كان هؤلاء يتساءلون عن حق أيضا: "ونحن نقيم الذبيحة الإلهية مرات عدة مرات حتى وكل يوم أحيانا!!".
إجابة الذهبي الفم أنه عندما نقيم القداس نصنع "ذكرى" موت المسيح نقيم ذكرى نفس الذبيحة التي قدمها المسيح، ليست هي ذبيحة جديدة وليست ذبيحة أخرى كما كان يفعل رئيس الكهنة في العهد القديم. في قداسنا، القرابين، أي تقدمات الذكرى، يشكلون بذاتهم المسيح المذبوح. هذه المواد هي الذبيحة التي يقدمها المسيح للآب السماوي في قدس الأقدس في ملكوت الله.
المقدِّم في القداس هو دائما واحد وهو دائما المقدَّم. ولأنه دائماً هو فنحن لا نعمل ذبيحة جديدة، ولكن "ذكرى" نفس الذبيحة ونفس التقدمة. ذبيحة المسيح هي هي وستبقى غير مستنفذة ولهذا ليس هناك من حاجة لذبيحة جديدة وليس من حاجة لإعادة الأحداث التي جرت في عهد بيلاطس البنطي في فلسطين. لا يصلب المسيح تاريخيا في كل مرة تقيم فيها القداس الإلهي ولا يقول "قد تم". الذبيحة الآن هي "غير دموية" وهي قد سُبق وأشير إليها في ذبيحة إبراهيم وولده اسحق. كل هذه الأمور التي تحدث في القداس الإلهي تصبح حقيقية بطريقة أخرى. هذه الطريقة تتلخص في أن الخبز والخمر يتحولان إلى نفس ما قدم المسيح في ذبيحته في العشاء السري أي نفس جسده ونفس دمه عن طريق تدخله نفسه وبواسطة عمل الروح القدس. هذه "الذكرى" لا تعني فقط تذكر ومحافظة فقط على ذكرى ما فعل المسيح. "الذكرى" تعني أنه الآن وفي كل مرة تقام أمامنا ومن أجلنا نفس الذبيحة ونفس التقدمة. ولهذا ليس من العبث تشديد الذهبي الفم على فكرة حقيقة القداس الإلهي وحقيقة الذبيحة لكي لا نفهم معنى "الذكرى" بطريقة خاطئة.
قديسنا طالما شدد على حقيقة الذبيحة ينتقل ليشرح مصطلح "تذكر" وينبه من أنه لا نقوم بذبيحة تاريخية. الذبيحة التي نقوم بها هي ذبيحة دائما كلّية وكاملة أي أنه لدينا الآن نفس ذبيحة المسيح وهي الآن أيضا ذبيحة حقيقية. هكذا فإنه حتى مصطلح "ذكرى" يفترض حقيقة مطلقة ويؤكد قديسنا هذا من استخدامه لفعل "نعمل" خلافا للفعل المستخدم في كلام السيد "اصنعوا هذا لذكرى". بعبارته "نعمل ذكرى الذبيحة" فإن قديسنا يشير إلى أننا بالضبط في القداس الإلهي عندنا عمل، لدينا فعل ينتج عنه ذبيحة. يكون هناك عمل – استدعاء الروح القدس حتى تتحول القرابين إلى نفس الذبيحة السيدية. هكذا فما هو لدينا في القداس الإلهي هو ذبيحة حقيقية وليس رمزا او شكلا أو ذكرى الذبيحة السيدية. كما أنه وفي كل قداس إلهي لدينا المسيح نفسه بغض النظر عن عدد المرات التي يقام فيها السر وذلك منذ أن بدأ إلى منتهى الدهر.
ولأنه حقيقة لدينا في خدمة "الذكرى"، أي في كل قداس، نفس جسد ونفس دم المسيح فإن الملائكة يرتعدون أثناء أقامته.
بحسب رأي الذهبي الفم فإن السيد المسيح كان يعرف أن تلاميذه أولاً ومن بعدهم كل المؤمنين الذين كانوا لا يجهلون كيفية تقديم الذبائح في العهد القديم حيث لدينا فيها دم حقيقي سيكون عندهم بعض الشك والتشويش عند سماعهم لكلمات مثل "هذا هو جسدي ... و هذا هو دمي". هنا لدينا دم المسيح عوض دم الذبائح ولكن هذا لم يقِ من التشوش. لهذا سبق السيد المسيح وقال "اصنعوا هذا لذكري" وتكلم، لاغياً العهد القديم، عن كأس دم هي "للعهد الجديد".
أيضا فإن جملة "اصنعوا هذا لذكري" بالنسبة للذهبي الفم لها علاقة مع الفصح اليهودي. موسى قال بالعلاقة مع كل ما حصل في مصر ومع دم الذبائح "هذا الذكر يكون إلى الأبد"10 كما أن الذبيحة القديمة كانت تقام دائما هكذا القداس (الذبيحة الإلهية) ستقام دائماً. في العهد القديم كان هناك دم حقيقي بينما في العهد الجديد فإن ذبيحة الرب هي غير دموية وهي تقام من أجل "غفران الخطايا للمسكونة كلها". ولكي ينزع السيد الشك من نفوس تلاميذه أقام بنفسه هو الذبيحة الأولى أمامهم وهم أمامه أكلوا جسده وشربوا دمه ولكن ومن بعد العنصرة سيقيمون هم بنفسهم الذبيحة التي فيها سيأكلون ويشربون جسد ودم السيد دون أن يأكلوا ويشربوا جسداً ودماً طبيعيين.
السيد بقوله "هذا اصنعوه لذكري" يريد أن يؤكد لتلاميذه أنهم من الآن لن يقدموا الذبيحة القديمة لكن سيقدموا ويصنعوا ذبيحته هو التي هي ذبيحة حقيقية من دون أن تكون دموية.

خاتمة:
بعد كل ما قلناه يمكننا الجزم أن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الذهبي الفم أعطى اهتماماً كبيراً للحياة الليتورجيّة الأمر الذي يشهد له كثرة الكتابات والشواهد الليتورجيّة ضمن أعماله. هكذا كانت الليتورجيا جزءً لا يتجزأ من حياته وهكذا أراد أن تكون بالنسبة لكل مستمعيه لهذا نراه في إحدى مواعظه عن القداس الإلهي ينبّه المؤمنين قائلاً:
"لننتبه لذواتنا، أيها الأعزاء، في غمرة تلك النعم، لئلا يخطر على بالنا التلفظ بكلام شائن أو يتسلط علينا الغضب أو أية تجربة أخرى، فلنحترم الروح القدس الذي مُنحناه والعطايا التي حُسبنا جديرين لها. حتَّام تعلُّقنا بخيرات هذا العالم؟ وإلى متى نظلُّ قابعين في غفلتنا؟ وكم يطول عدم اكتراثنا لخلاصنا؟ فلنتذكر ما منَّ علينا الله به من خيرات، ونحمده ونمجده، لا بمجرد الإيمان بل بالأعمال، حتى ننال الخيرات العتيدة، بنعمة ورحمة سيدنا يسوع المسيح، الذي نرجو أن يكون به المجد للآب وللروح القدس، الآن وعلى الدوام وإلى دهر الداهرين آمين"11.

الأرشمندريت ديمتري شربك

 

صور من هذه المحاضرة 1- 2 - 3

 

الموقع الرسمي لاحتفالية ذكرى مرور 1600 عام على رقاد القديس يوحنا الذهبي الفم

حجز وتصميم  قنشرين