الاحتفالية الخاصة بالذكرى 1600 على رقاد القديس يوحنا الذهبي الفم .... مجلس رؤساء الطوائف المسيحية بحلب


الكهنوت عند الذهبي الفم
 للمطران بولس يازجي متروبوليت حلب للروم الأرثوذكس


مقدمة
1. حياته يوبيل 1600 سنة / سبب اختيار الموضوع.
2. الكتاب الشهير في الكهنوت.
إشكالية: نعمة؟ سرّ؟ هبة؟ استحقاق؟ من ناحية- مواهب/ انسحاق غاية؟ ممارسة؟ كيفية الرعاية؟
تقديم: شكر.

الموضوع:
1. عظمة الكهنوت.
2. شروط الكهنوت.
3. فضائل الكهنوت.

الكهنوت:
يختلف جوهرياً العهد الجديد عن القديم في مفهومه وتأسيسه لسرّ الكهنوت، رغم أن العهدين يكمل الثاني الأول ويتبعه.
في العهد القديم تتأسس "العبادة" أولاً في وسط "الجماعة"، ثم يأتي الله إلى وسطها. "وأُقدِّسُ خيمة الاجتماع، والمذبح وهرون وبنيه ليكونوا كهنة لي. وأسكن في وسط بني إسرائيل وأكون لهم إلهًا" (خروج 29، 44-45). لكن هذا الترتيب لم يكن النظام الإلهي للكنيسة بل تحضيراً له و "وظلاً" "ولأن الشريعة ظل الخيرات الآتية، لا جوهر الحقائق ذاتها، فهي لا تَقدرُ بتلك الذبائح نفسها التي يستمر تقديمها سنة بعد سنة أن تجعل الذين يتقربون بها إلى الله كاملين"
(عب 10، 1).

في العهد الجديد، أكمل يسوع الناموس لكنه بالوقت ذاته أبطل القديم وأقام الجديد "ها أنا أجيءُ لأعمل بمشيئتك، فأبطل الترتيب الأول ليقيم الثاني"
(عب 10، 9). هنا يتبدّل ترتيب الأمور، هنا بتجسّد المسيح (الكاهن الأعظم) يبدأ الله ثم تأتي الجماعة الكنيسة بعده كجسم له.
إذن لا يعبد الله "لا في هذا الجبل ولا في أورشليم"
(يوحنا 4، 21) ولا في خيمة الشهادة وإنما بالروح والحق بالمسيح. هكذا كمال الناموس يأتي أولاً في يسوع ثم يُعطى لتأسيسه في الزمن عبر التنظيم والمؤسسات، "فبه يتماسكُ الجسد كله ويلتحم بفضل جميع المفاصل التي تقوم بحاجته، حتّى إذا قام كلُّ جزءٍ بعملهِ الخاصِّ به، نما الجسد كلُّه وتكامل بنيانه بالمحبة"(أفسس 4، 16). الكهنوت، قانون الكتاب المقدس، العبادة والطقوس، ... كل ذلك يأتي لاحقاً وبالتدرّج ليشكل جسم المسيح ويقوم بعمله في العالم. ويتحقق ذلك بعمل الشاهد (الروح القدس) الذي يجعل الكاهن الأعظم (يسوع) حاضراً في الكنيسة.
الرب يسوع لا يسلّم سلطته لتلاميذه وللكهنة من بعده، وكأنه صار غائباً وأنهى دورَه. أيقونة العنصرة تضع الرسل يميناً ويساراً وتترك للمسيح غير المنظور موقع الرأس والوسط، حيث الروح القدس النازل على التلاميذ يشهد له ويجعله حاضراً في الكنيسة.
صلاة سيامة الشماس واضحة، إذ يقول رئيس الكهنة فيها: "ليس بوضع يدّي أنا، ولكن بكثرة رأفاتك...". وضع اليد ضروري لأنه علامة تسليم النعمة من العلى من المصدر الإلهي ذاته. الكهنوت ليس سلطةً أو نعمة تورث من شخص لآخر أو ميزات توهب من أسقف لكاهن ولا حتى من الرسل ذاتهم، ولا من المجمع المقدّس. هناك في السيامة "الكاهن الأوحد" يشرطن. إن عمل المجمع ووضع الأيدي هو إشارة إلى تحديد إرادته وإعلان خيارَه (المسيح) في المرشح للكهنوت. الموضوع ليس انتخاباً من جماعة كما في كلّ مؤسسة، بل هو عمل الروح القدس في الناس لاتمام عمل المسيح في الزمن.

الأصل الإلهي للسرّ
الكهنوت هو على رتبة ملكيصادق "دون أب ودون أم"
(عب 7، 3) من خارج أي مؤسسة إنسانية بشرية. "لستم أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم" (يوحنا 15، 16) قال السيد لتلاميذه. إن صرخة الشعب في السيامات " Άξιος-مستحق" هي ضرورية ولكن ليس كإعلان انتخاب، الأمر الذي سبق وتمّمه الروح القدس، وإنما كشهادة على حضور الروح، وعلى العمل الإلهي – الإنساني في الكنيسة التي هي جسد الرب في التاريخ وهي إلهية (رأس) إنسانية (الجسد)

يبني المؤمنُ حياَته المسيحية أولاً من التعليم "Εξ’ ακοής"، أي من إطلاعه على الإنجيل واستماعه للوعظ. لكن عيش المسيحية التي اكتشفها يحتاج إلى تدريب لكي يصل إلى إيمانٍ "εξ’ Αποκαλύψεως"، أي إلى كشوفات الإيمان: الـ"Θεωρία"، أي معاينة اختبارات مع الله. هكذا يغدو المؤمن بدل مواطن أرضي سائحاً سماوياً – صاعداً "Οδήτης-Πολίτης" نحو المدينة السماوية
(فيلبي 3، 20). هذا التعليم وهذا التدريب، هما مهمة الراعي الكاهن مع رعيته.
ظهرت المسيحية في العالم كحركة "تجديد"، أي إلغاء لواقع قديم، وذلك بعملية "تجلّي" للإنسان. وسمّى يسوع رسالته "ناراً" ألقاها وقد اضطرمت. هذه "النار" هي "عطش" يطلب الـ"Έσχατα" اسختا في الحاضر ويستحضرها ليعيشها، خاصة في الليتورجيا. هذا ما عبّر عنه سيرافيم ساروف، أن غاية المسيحية هي "اقتناء نعمة الروح القدس".

الذهبي الفم من كبار معلمي الكنيسة، معلم مسكوني، شرقاً وغرباً، أحد الأقمار الثلاثة. والطابع العام لتقدمته التاريخية هي المثل الأعلى للأسقف الراعي، ومثال الواعظ، لهذا يُعتبر أنموذجاً حياتياً وعلمياً للكاهن.
عاش في زمن عرفتْ فيه الإمبرطورية فساداً سياسياً واجتماعياً والكنسية علمنةً، وجاء هو بالروح الإنجيلية في صدام مع هذا الواقع لإصلاحه، صدام انتهى بنفيه وموته، لكنه أثمر عن خبرة روحية في مؤلفات ومواقف الحياة، تبقأ نموذجاً ومَعْلماً ظاهراً فريداً في تاريخ الكنيسة المسيحية عامة.
مؤلفاتُه وتفسيراته في الكتاب المقدس غزيرة جداً، وتتميز بفهم كتابي عميق ونظرة اكليزيولوجية، هذه كانت جزءاً محدّداً من عمله الرعوي الأوسع، كأسقف وكاهن في الكنيسة.
مؤلُفه "في الكهنوت "Περί Ιεροσύνης λόγοι" (PG 48) يشدّد على سمّو الكهنوت وما ينتج عن ذلك من ضرورات وشروط في شخصية الكاهن، ومن تفاني كليّ وعملي في حياته.
مؤلفه هذا، يمكن وصفه بـ"نصائح للكهنة والرعية"، من أجل خلاصهم. هذا هو عمل الكنيسة على الأرض وهذه رسالتها، الرسالة التي يجب على الكاهن معرفتها تماماً ومعرفة طرق تحقيقها.
هذا المؤلف هو الأشهر بين مؤلفاته، ولقد أثّر تاريخياً كثيراً على حياة الكنيسة. هو عمل متأثر جدّاً بمؤلف غريغوريوس اللاهوتي "دفاع عن الهروب إلى البنطس"Απολογητικόν της εν Πόντω φυγής" ، حيث يشرح القديس غريغوريوس سمّو الدرجة الكهنوتية ويعلل بذلك هروبه من هذه الخدمة إلى الحياة الرهبانية النسكية في البنطس بعد شرطنته كاهنا من أبيه (362).
الأحداث والشخصيات الواردة في نص كتاب الذهبي الفم (باسيليوس) هي إنشائية وليست واقعية، دخلت من فنِّ الرواية.
يبدأ القديس مؤلفَه بحوار مع صديقه باسيليوس (شخصية إنشائية، البحث العلمي لم يعرف منْ هي وما هي الدرجة الكهنوتية التي سِيمتْ إليها) . ويهدف الحوار إلى إظهار عظمة ورهبة الكهنوت من خلال: خوف باسيليوس الذي أجبر على السيامة، وهروب فم الذهبي بالحيلة من هذه المسؤولية. وهو هنا يبرّر لصديقه هروبه بسبب ضعفه وعدم استحقاقه، لأن هذا السرّ يتطلب أشخاصاً أقدر منه بكثير !
الحوار لا يعطي تفاصيلاً مكانية أو زمانية بقدر ما يميل إلى الطابع النظري، فيعرض معنى الكهنوت وسمّوه. إنه كتاب في الرعاية، أكثر مما هو توثيقي لحوار حدثَ.
لاشك أن هذا الحوار لا يتناول العديد من المشاكل الرعوية الراهنة، فهو لزمنٍ وبيئة معينة، لكنه يبقى ذو أهمية دائماً كونه يتناول مواضيع أساسية في مفهوم الكهنوت لاهوتياً ورعوياً.
أهمية الكتاب تظهر من تأثيره وانتشاره الواسع، فقد فاق الكتاب ما كُتبَ قبلَه في هذا الموضوع. ولم يجرأ أبٌ بعده على تناول هذا الموضوع بشكل سيستماتيكي لشموله وعمقه. في الوقت ذاته يُظهرهذا الحوار حقيقة الواقع الفاسد في الإدارة الكنسية مرات عديدة، ويظهر السبل إلى إصلاح هذا الفساد حيث يوجد.
يتناول الذهبي الفم في الحوار أولاً عظمة الكهنوت، ثم الشروط التي يجب أن تتوفر في المتقدم إليه، وبعدها الفضائل التي يُمارس بها الكهنوت. وأخيراً في نهاية الكتاب يتعرض لمخاطر العمل الرعوي، لكنه يشجع المتقدمين، فحيث أن الخدمة رهيبة نعم، إلا أن السيد يساعد خدّامه لإتمام مهامهم وواجباتهم.
يعتمد الذهبي الفم في براهينه وحججه على الكتاب المقدس دائماً وأمثلته، لكنّ براعته الشخصية واضحة أيضاً في إبداع الصور الرائعة.

1. عظمة الكهنوت:
الكهنوت للذهبي الفم هو "خدمة Διακονία" وهبت مجاناً من الله. إنه هبة سماوية. لهذا السبب الكهنوت أكرم من كل الخدمات الأخرى الدنيوية ، خدمة تعمل على الأرض لكن غايتها وثمارها في السماء. لهذا هي خدمة ملائكية وتليق بتلك الطغمات . عمل الكاهن هو عمل الملائكة... لهذا يدعى الكاهن ملاكاً، لأنه لا يتكلم بما عنده وإنما ينطق بكلام الله مرسله، فـ"كهنتك يا رب يلبسون البرّ –
مزمور 131". وخاصة أنه "لم يؤسس الكهنوت لا إنسان ولا ملاك ولا رئيس ملائكة بل الروح القدس الناطق بالأنبياء – ذاته".
للكهنوت طابع قدسي فائق ولأسباب عديدة. إن "سلطة" إتمام القداس الإلهي والذبيحة غير الدموية هي أهم شيء أعطي هدية للبشرية وعند الكهنة . لم يعطَ ذلك ولا حتى للملائكة. إن سلطة غفران الخطايا (الربط والحلّ)، هي السلطة ذاتها التي أعطيت من الله الآب للابن، ومنه للكهنة. هاتان السلطتان تكفيان لفهم سمّو وكرامة هذه الخدمة. إن هذه السلطة أعطيت من الله الآب للابن "لأنه ابن البشر". هذه الكلمات التي لفظها يسوع تتضمن موضوعين.
الأول هو الطهارة والنقاوة الداخلية التي كانت "لابن البشر" الذي أخلى ذاته حتى الموت موت الصليب؛ هكذا على الكاهن أن يكون قد تحرر من أهوائه ومن ضعفاته الشخصية. والثاني أن "ابن البشر" هو من يعرف الخبرة البشرية في تجربتها الإنسانية خلى الخطيئة؛ فهو المثال الطاهر، وهو إنساني. لذلك الكاهن هو بشر مثلنا لكنه على مَثَل "ابن البشر" يختبر التجربة الإنسانية بنجاح بسبب الإيمان وسترِ وظلِّ النعمة الإلهية، هكذا يعرف الكاهن داخل الناس لأنه "ابنُ بشر" يعرف ما في الإنسان، واختبر كيف يدفن الإنسان القديم مع المسيح ليقوم معه أيضاً. لهذين الأمرين مُنح الكاهن سلطان غفران الخطايا الذي "لابن البشر"، أن يحلّ ويربط على الأرض. إن السلطة ليست سحرية، وسرّ الكهنوت يتطلب جهداً بشرياً وموقفاً تقديسيّاً.
من هو الكاهن؟ يتساءل فم الذهب! إنه ملاك الرب يحمل على يديه المسيح، يتكلم عنه، يخدمه. عندما يتمم الكاهن الأسرار المقدسة يُعير يديه للمسيح؛ عندما يعظ ويتكلم يُعير لسانه للمسيح؛ لهذا عليه أن يكون طاهراً كالملائكة
الكهنة هم آباء وعلينا أن نعتبرهم أكثر من الوالدين الجسديين. يلدنا الكاهن في ملكوت الله بالمعمودية وينمينا فيه بسرّ الشكر الإلهي. (بكل ما تحمله معاني هذين السرّين من واجبات ومعاني بعد الطقس وقبله). يعمل الكاهن لتحقيق ذلك بواسطة: الأسرار المقدسة، التعليم، الإرشاد، وبصلواته. هكذا لم يعد الكاهن يحيا لذاته بل للذي جندّه، لرعيته، ولخدمة كنيسته.
عظيمة هي مسؤولية الكهنة وكثيرة هي واجباتهم أمام الله، لأنه وهبهم الاهتمام بنفوس البشر. إن واجباتهم لا تقدّر ولا تحصى ما داموا يهتمون بخلاص الناس ويصلّون لكل العالم ليعرفوا الله ويقتربوا منه.

2. شروط الكهنوت
يتكلم فم الذهب في كتابه هذا عن الشروط التي يجب أن يراعيها كلٌّ من المُرشحين للكهنوت من جهة والذين ينتخبونهم من جهة ثانية.
فحص الذات، هو الأمر الضروري الأول، وذلك عن كل الزمن الأسبق. على المرشح أن يفحص إمكانياته كلها، بدءاً من الجسدية، ثم الأخلاقية، والعلمية، والروحية. وإذا وجد فيها ما يعيق الخدمة فلينتبه لذاته، لأن قصاص الله سيكون قاسياً جداً، فلا يستهين بالخدمة.
إن ضعفات الناس عموماً هي خطايا أو نواقص تضرّ بالشخص ذاته، أو كأنها مثلاً تجري في الليل ولا يراها عديدون فيتعثرون منها. لكن ضعفات الكاهن يراها الجميع وكأنها في وضح النهار وأيّ منها يعثّر كثيرين. المسؤولية هنا لا تقاس على مقدار الخطيئة الشخصية للكاهن بل على حجم العثرة التي يسببها للكثيرين . وعلى العكس تماماً حينما يرون فضيلته فتشدّدهم.
يجب على المرشح للكهنوت أن يتحّلى بالحكمة والنضوج، أنكار الذات وحب بذلها، باحترام للكهنوت وميل إليه، عفة، ثقافة، قدرة على التعليم، صحة روحية وجسدية، ليستطيع أن يقوم بكل الواجبات التي تنتظره، وهي كثيرة. يهمّ جداً العمر والتقوى، لكن هذين الأمرين ليسا الشرطين الأولين. لا يمنع سن الشباب ولا تفيد الشيخوخة، بل المطلوب الحكمة. هناك فعلاً صعوبة أن ينال الشاب بسرعة ثقة الرعية، لكنه سينالها وبقوة عندما يثبت حكمته ونسكه وتقواه بأعماله وحياته. كما يحتاج الراعي في الكنيسة إلى جانب المواهب الشخصية مواهب إدارية.

حياة الكاهن هي الدافع الأساسي الذي يُشعل غيرة أبناء الرعية. الكنيسة هي جسد المسيح، وعلى المرشح للكهنوت القادم للخدمة أن يتأكد أن خلقه وسيرته لا يمكن بأي شكل أن يؤثران سلباً على أعضاء هذا الجسد.
وقبل الكل، بسبب أن هذه الخدمة قاسية لما فيها من المحبة الكثيرة، على المرشح أن يتأكد قبلاً من جلَدِهِ وصبره وثباته في قراره على انكار ذاته.
قبل أن يبدأ المرشحّ هذه السيرة الملائكية عليه أن يتّخذ القرار أنه سيبقى قوياً لكن وديعاً، في مواجهة كل الأمور الخاطئة المهمة منها والبسيط، سيواجه العديد من الناس الذين لا يقدِّمون أيةَ خدمة ولا يحملون أية مسؤولية في الكنيسة لكنهم لا يفتأون يعترضون ويناوئون ويتهمون الآخرين ويدافعون عن أنفسهم. يدينون أعماله وأقواله بحق ودون حق غالباً. وسيشيّعون أن الكاهن أو الأسقف يضرّ بالكنيسة أو يسلب منها مالاً كان للفقراء...
الكلُّ يطلبون من الكاهن كلَّ شيء، حتى الناس الذين لا يساهمون بأي عمل ولايشاركون بأية مسؤولية. ويقول القديس بالتحديد "إن سلطة الكاهن ليس فقط لا تقدم أفراحاً بل هي أقسى عبودية". يتحمّل الكاهن في الممارسة كأدنى عبدٍ. هذه كلها يقولها الأب عن خبرة شخصية. لهذا ينصح الأب المرشح للكهنوت أن يتصور ويقدّر مسبقاً عظم المسؤوليات وحجم الصعوبات التي تنتظره.
إن رعاية النفوس وحمايتها كما تنظيم الكنيسة وخدمتها هي أمور تتطلب مواهب روحية كثيرة عند منْ يتقدّم إلى هذه الخدمة. هذا ما يحصل في المؤسسات الدنيوية العادية عموماً فكم بالحري في كنيسة المسيح!

3. فضائل للكهنوت
للذهبي الفم، السيرة الكهنوتية هي خدمة ملائكية، وهي تتطلب ليس فضيلة معينة، بل جملة الفضائل كاملة.
الفضيلة الأولى الأساسية هي، المحبة القصوى للرب يسوع. وكما يقول بولس الرسول الرب يسوع هو "كمال الناموس والأنبياء"، لهذا عندما يشخص الكاهن إلى وجه يسوع يتعلق بالفضائل كلها. بدون هذه الفضيلة (محبة الرب يسوع) لا تفيد كل الفضائل الأخرى، ولا يمكن أن تتحقق فعلاً.

الفضيلة الثانية هي، المحبة الكاملة للرعيّة، وهذه تأتي كإشعاع عن محبته لمن اشتراها بدمه الكريم، لأنه هو من قال لبطرس" أتحبني، ارع حملاني". وهذه المحبة للرعية هي محبة لكل فردٍ منها دون استثناء أو تمييز، وبدون أي تردّد بسبب من خطايا البعض، فمن هم خطأة من أجلهم جاء المسيح ومن أجلهم نتقدم إلى الكهنوت. نماذج لمحبة كهذه يقدم الذهبي الفم بطرسَ وبولسَ، وكذلك محبة الأم لأولادها.

ثالثاً، محبته لتقديس ذاته، بحيث يصبح بذلك معلماً بطريقة حقيقية وقائداً في حياة رعيته إلى مراعي السلامة. بهذه الطريقة يصبح نموذج حياة الكاهن ملكاً لأبناء رعيته.
 
رابعاً، غيرته على التعليم والوعظ. لا يمكن أن يفهم الذهبي الفم كاهناً لا يعلّم ويبشّر بالكلمة، فهو المدرّب والمعلم قبل كل شيء. الكلمة الإلهية هي مادة عمل الكاهن الأولى. الكاهن هو "فم المسيح" لأن على فمه دائماً "الكلمة"، إنه لا يعظ بكلامه الشخصي بل هو كالنبي يعلن كلمة الله ويشرحها ويحث على تطبيقها. من يترك الكلمة – لا سمح الله- يكون قد تخلى عن الهوية الأساسية لكهنوته.
للتعليم دوران مهمان، الأول هو تنشئة أبناء الرعية على ماء الكلمة الإلهية الحي، والثاني هو تأديبي فيفرز ويدحض على أساسها المسيئين للكنيسة والهراطقة والتعاليم الدهرية غير الإنجيلية . الكلمة الإلهية هي المعيار لحياة الكنيسة. التعليم ليس دائماً تنشئة بل وأحياناً تأديب ، لأن القيمة والكرامة هي في عين الله وليست في عين الناس. الواعظ والمعلم هو قائد للنفوس إلى التوبة والحياة مع الله كبولس الرسول. لهذين الدورين الهامّين غدا دورُ الأسقف الأولُ هو التعليم (تنشئة وتأديب- حفظ الوحدة)
"التعليم" هو "الزرع" في عمل الكاهن الذي يشبّهه الذهبي الفم بالزارع. الكاهن هو أيضاً نهر ماء جاري يسقي الأشجار على طرفيه. الكاهن هو طبيب يحمل أطيب وأقوى دواء أي كلمة الله . أخيراً الكاهن هو "نحلة" يقطف الأريج من أزهار الكتاب المقدس لتقدّمه للناس عسلاً شهياً للمأكل. الكاهن في الكنيسة، على مثال سيده، يكهن بذاته ويقدمها على مذبح المسيح.
التعليم نبوي، لهذا يجب أن يخرج من فم الكاهن متميزاً أولاً بالقوة، وبالمبادرة وصادر من القلب من خبرة ذاتية، وبقناعة شخصية لدى الكاهن أن كلمة الله نداء قوي وقوة فاعلة.
يحتقر الكاهن ويرفض مديح سامعيه عندما يعجبون بكلمة الله الصادرة من فمه . لأن الهدف هو بناء حياتهم الروحية وليس المجد الذاتي.
يجب أن يكون التعليم أورثوذكسياً، ثم منوّعاً يشمل كل جوانب حياة أبناء رعيته بحسب تنوّعهم، ثم ملماً حتى يرى حياة أبنائه موافقة للتعليم الموعوظ به. "إن إلحاحي وتكرار التعليم ليس لجاجةً مني بل هو رعاية وحنان ومحبة وحفاظٌ على هذه الكلمات لئلا تضيع سدىً". عندما كان البعض يشككونه قائلين لما كل هذا الوعظ ولمن، كان يجيبهم، أنه إن لم يسمع الجميع سيسمع نصفُهم، وإن لم يسمع النصف سيسمع الربع... وإن لم يسمع عديدون سيسمع ولو واحدٌ وهذا كافٍ. كلمة الله إلهية وبالتالي فاعلة. لكن عامة الزرع يُرى لكن الإثمار يتأخر".
على الكاهن ألاّ يتردد عن الوعظ مهما كان الواقع يدعو لليأس أو مهما كانت لا مبالاة سامعيه أو تعليقاتهم مسئية.
التعليم والوعظ هما مسؤولية الكاهن وعمله، وذلك بغض النظر عن النتائج. فرح الكاهن يأتي من إتمام دوره هذا أمام الله ولا يهمه أن ينتظر الثمار "الخطئية ليست ألاّ تقنع الآخر بل ألا تعظه"
نبوية التعليم تقتضي، مرات عديدة، التوبيخ والتأديب، في حالات الخطيئة. لكن التأديب صعبٌ خاصة عندما يُقابل بمعارضة الآخرين. الكاهن معرّض لأحد احتمالين وكمعلّم، الأول ألا يؤدب بل يستمر في المديح ويربح رضى الجميع، والثاني أن يكون خادماً صادقاً للكلمة ويعلنها كما هي دون رياء، عندها سيخسر محبة البعض وسيتعرض لعداوة آخرين. إن المعلّم يعرف حاجة أبنائه فلا يخضع لرغباتهم عندما تسيئُ هذه إلى تنشئتهم. لكن التفسير والشرح والتعليم سيجلب أكثر نتائج سلامية ويذلّل الخلافات بالرأي.
التعليم النبوي يجب أن يرفق بالمحبة الصادقة، عندها على الأرجح سيصير مقبولاً ولو كان قاسياً. يوبّخ المعلم الخطيئة لكنه يحترم ويحّب الخاطئ. قوة التعليم يجب أن تترافق مع الوداعة. المعلم النبوي صارم ولكنه أيضاً بالوقت ذاته حنون.

خامساً، الصلاة الحارة والمطالعة الدائمة ، هما سبيل الكاهن لتحقيق هذا الدور التعليمي. هكذا بالصلاة والمطالعة يستعد الكاهن للوعظ والتعليم. وفوق ذلك فهو كشفيع يصلي من أجل رعيته. هذا ما كان يفعله أيوب على أولاده لتطهيرهم من خطاياهم الجسدية، فكم بالحري يرفع الكاهن تضرعات من أجل النمو الروحي لأفراد رعيته .
إن التعليم فن، وليس موهبة طبيعية أو ظاهرة تقوية فقط. التعليم فضيلة تقتنى بالمحاولة والإعداد الدائمين. "لا يتعللّ البعض- من الكهنة- أننا لم نتعلّم لهذا لا نعظ، علينا أن نحاول، لأن الرعية تنتظر من الكاهن التعليم والوعظ، لا بل تقيّمه بالأساس من هذا الدور".

سادساً، الإحسان ومحبة الفقراء فضيلة ضرورية يجب أن يكون الكاهن مثالاً فيها يُحتذى. كان الذهبي الفم يهتم بما يزيد على 3000 أرملة في أنطاكية وبما يزيد على 7000 في القسطنطينية. بالإضافة إلى عنايته بالغرباء والمرضى وزيارة المسجونين كل أربعاء وجمعة.

سابعاً، الصبر والمسامحة، فضيلتان مترافقتان مع العمل الرعوي، وهما اللتان تستدعيان العديدين إلى التوبة. الكاهن أبٌ روحي يحتضن الجميع بحنانه حتى ولو عادوه، حين يعادوه عندها يتفهم ضعفهم البشري ويستوعبه ويقف إلى جانبهم لمساعدتهم. موقف كهذا سيقود كثيرين منهم إلى الاعتراف والتوبة.
قلب الكاهن محب يسامح، ليس أبناء رعيته وحسب وإنما حتى أخوته الاكليريكيين عندما يخطئون إليه ويؤلمونه أكثر. الأخيرون يسيئون غالباً من الغيرة أو الصراع على السلطة وهذا يضرّ بالخدمة الكهنوتية أكثر بكثير.
لكن العداوة والنميمة هي أمور منتظرة من أية جهة كانت. لهذا الحل هو المسامحة واحتمال الإهانة.
الكاهن رجل مسامحة ومصالحة بين الناس بعضهم مع بعض، كما المثال الأول لهم في تطبيق وتحقيق ذلك. مثال حي للكاهن الرب يسوع في مسامحته لصالبيه. شهيرة عبارة القديس التي رددها في منفاه على سرير الموت "الشكر لله على كلِّ شيء".
"ومن يصبر إلى المنتهى ذاك يخلص". إن الشدائد والإهانات والصعوبات والعداوات الظالمة هي أيضاً جزء من العناية الإلهية، التي سمحت بها وتراها. لا "يحتمل" الكاهن هذه الظروف، بل يعيش فيها بسلام وفرح وشكر لله عليها، لأنها ستقوده إلى خدمة أفضل: لا شيء سيء لنا إلا خطيئتنا، هذه لا نصبر عليها ولا نسامحها بل نصلحها فوراً. لأنه "إن عشنا فللرب نحيا وإن متنا فللرب نموت".

ثامناً، الأسرار الكنيسة، وحياة التقديس بما فيها من طقوس، هي الإطار الأهم لحياة وعمل وخدمة الكاهن. التعليم جزءٌ منها يتم فيها كما خارجها. لكن الدور الأساسي والمحيط الأهم لممارسة خدمته هو الأسرار الإلهية. الأسرار هي منبع التعليم وهي غايته. ومن أهم هذه الأسرار هي، الاعتراف والشكر والمعمودية.
في حياة الأسرار يمارس المؤمن حياة "التجلّي" – "التجديد". دور الكاهن ليس التعليم والقيادة الإدارية فقط، بل بالأحرى وأولاً إحياء الحياة الطقسية والأسرارية وجعل المؤمنين يمارسون العبادة المسيحية بوعي ومشاركة حقيقية. في هذا المحيط يحيا المسيحي حياة التوبة والتجديد والنموّ الروحي.

تاسعاً، الجهاد الروحي، تزداد صعوبة هذه المهمات الجمّة بسبب أيضاً من الضعفات الشخصية في حياة الكاهن. وهذا يفرض عليه الجهاد شخصياً قاسيٍ ومتواصل. فإذا كان لا يستطيع أن يحافظ على ذاته كيف يقدر على سند الآخرين؟ لكن هذه الصعوبات لا تدعونا لليأس، لأن من وهبنا ذاتنا لأجله معنا في الحرب يشدّدنا ويحارب إلى جانبنا. يكفي أن نتعب فعلاً لغاية واحدة هي تقدّم الرعية وبناء جسم الكنيسة وتحقيق شهادتها.

الكهنوت فن خدمة تختص بحياة الناس وليس بممتلكاتهم كما في الفنون الأخرى. في الفنون الأخيرة أي تحسين مهم وأي ضرر مسيئ قليلاً. أما في فن الرعاية إن الأمر أدق وأهم بكثير ومسؤوليته قصوى. أمام هذه الصورة البانورامية التي يرسمها الذهبي الفم عن شروط الكهنوت والفضائل التي يجب أن يتحلّى بها الكاهن نستطيع أن نقدّر جسامة الخطأين عند موقفين شائعين. الموقف الأول عند بعض المؤمنين الذين يعتبرون دور الكاهن ليس أوليّاً أو يحطوّن من أهميته ومركزيته. إن أي احتقار لشخص الكاهن هو احتقار لشخص المسيح مباشرة ، والموقف الثاني عند بعض الكهنة الذين يتعاطون هذه الخدمة كمجرد "مهنة"! الحالة الثانية هي أخطر.
وماذا يمكننا أن نعمل عندما لا تتوفر كل هذه الفضائل مجتمعةً، الأمر الذي يبدو للوهلة الأولى مستحيلاً؟ يرى فم الذهب أنه لا يمكن سيامة وانتخاب كهنة إذا نقصت منهم بعض الفضائل الأساسية التي سبق إيرادها. إن سيامتهم هي إساءة للكنيسة وعبء على جسمها. والمسؤولية في ذلك تقع على الأساقفة أولاً.
لهذا في اختيار الكهنة لا تقوم معايير كالغنى والقرابة والحاجة والشهادات الفارغة، ... ولكن بمعايير الفضيلة. هناك قوانين كنسية واضحة تتطلب ذلك.
ينصح الأب القديس، في حال أن أحد الكهنة شعر بعدم أهليته –حتى بعد سيامته- ألا يترّدد عن الاعتذار عن هذه المهمة السامية.




 

 

الموقع الرسمي لاحتفالية ذكرى مرور 1600 عام على رقاد القديس يوحنا الذهبي الفم

حجز وتصميم  قنشرين