|
مطرانية حلب المارونيّة الأب لويس الخوند
الجمعة أول حزيران 2007
الأب لويس الخوند

الزواج والعيلة
في كتابات القديس يوحنا فم الذهب
أولا – الزواج في
كتابات القديس يوحنا فم الذهب
المقدمة
إذا نحن نظرنا من وجهة نظر أدبية لآثار الذهبي الفم، ففضلاً عن
الفائدة العامة التي هي في كل آثار هذا الكاتب الكبير والعبقري الكبير،
نجد في أحاديثه عن الزواج فائدة خاصة، جدّةً وتمثيلاً لشيء هام ومألوف
وجذّاب ومنفتح وحارّ ورسوليّ. عظاته الثلاث "حول الزواج" تقدّم نظرة
شاملة ومتوازنة حول هذه الحالة المقدسة : "إنه سرّ عظيم وهو سرّ
الحبّ".
1 – كرامة الزواج
سئل يوحنا فم الذهب عن الزواج، فاستشهد بأجوبة بولس
الرسول على أسئلة ومعلومات وردته من قورنتس : "حسنٌ للرجل أن لا يمسّ
امرأة! ولكن، تجنبًا للزنى، فليكن لكلّ رجل امرأته، وليكن لكل امرأة
رجلها" (1 قور 7: 1-2). يرى يوحنا الذهبي الفم أن "القديس بولس يتكلّم
هنا عن الزواج ونواميسه بكل صراحة ورصانة".
ويتساءل : "لمَ يتحاشى الخادم التكلم عن الزواج حين يكون المعلم قد
شرّفه بحضوره بنفسه ولم يتأخر عن تقديم الهدية للعريس. وأي هدية ؟ هدية
أجمل من كل الهدايا : آية تحويل الماء الى خمر جيّد. خمر يسوع الجيّدة
فاقت خمور الأنبياء، أي تعليم يسوع فاق تعليم الأنبياء. ويستنتج الذهبي
الفم سائلاً : "أي شيء شرّ في الزواج ؟ الشرّ هو الزنى، الشر هو العهر،
والزواج إنما هو الدواء".
ويدعو الذهبي الفم السائلين إلى التشبّه بأهل عرس قانا الجليل الذين
دعوا يسوع إلى عرسهم" (يو 2: 2). لذا يطلب منهم أن يبعدوا من أعراسهم
الأغاني "الفاحشة"، والأشعار "البذيئة"، والرقص "الخليع" والكلام
"الشائن"، والفجور "المخجل"، والضحك "السفيه". ويجد البرهان في زواج
اسحق ورفقة (تك 24) ويعقوب وراحيل (تك 29: 15-30). ففي حفلة أعراسهم لم
يدخل شيء من تلك الرذائل، بل كانت تولم وليمة جميلة. ويدعى أقرباء ،
"ولكن بغير تزمير وتطبيل وأهاريج ومراقص".
ويندّد يوحنا بالأغاني التي تدور "حول الزنا، والطلاق، والعشق الآثم،
والاجتماعات الفاسدة، "والكلام البذيء والكفرا والمهاترات"، وفي حالة
السكر الشنيع". ويتساءل الذهبي الفم : "كيف نتطلّب من الفتاة "الطهارة
والعفّة حين نقدّم لها من اليوم الأول من زواجها" ما لا يليق بالفضيلة.
ويزيد يوحنا قائلاً : "بعد أن يكون والدا الفتاة قد اجتهدا طيلة
حداثتها، أن يحرصا على طهارتها، وأن يمنعاها من أن تسمع أو تقول شيئًا
مخالفًا لمبادئ الأخلاق، وأن يحفظا سلامها من كل الاتصالات المعكّرة في
الدار وفي خدرها ومع المستخدمين وفي خروجها عند المساء، لكي يخلّصاها
من أنظار الناس حتى الأقارب، ولكي يضاعفا الاحتياطات لصيانة طهارتها"،
في يوم واحد يأتي الناس ليهدموا "كل هذا الإعداد".
ويرى الذهبي الفم أن من هذه الوقائع "يأتي الزنى والغيرة"، بسبب تلك
"الأغاني والفواحش"، وبإدخال الممثلين المخجلين، والمهرجين المتهتكين"،
ويُملأ العرس "بالراقصات والبغايا"، "فأيّ نتيجة حسنة". وإن النفقات
"على العرس" لا تأتي "بالفائدة" بل تأتي "بالدمار"، في حين أن دعوة
"الفقراء"، تعطي الداعي الرجاء "مكافأة لا نظير لها". وهذا ما يهيّئ
للأزواج "شيخوخة صالحة"، و"البركات" و"الخيرات". وهذه تفوق
"المجوهرات"، و "الغنى والمقتنيات".
2 – الردّ على
الغنوصيّين
كانت فئة الغنوصيين تمنع الزواج. فردّ يوحنّا بأنّ أولئك يدلّون أنهم
لا يعرفون الانسان. كما ردّ على البتولات اللواتي احتقرن المتزوجين
والمتزوجات، وقال : "تعترضين : ماذا يهمّني ذلك بعد أن ودّعت الزواج ؟"
أجاب : "أيتها التعيسة، هذا سبب هلاكك، لأنك ظننت أنّك غير معنيّة
بالتعليم عن الزواج، فحين عاملت الزواج باحتقار كبير، جدّفت على كلمة
الله، وافتريت على الخليقة كلّها. فإن كان الزواج نجاسة، فجميع الذين
يولدون فيه نجسون. وأنت أيضًا نجسة. بل الطبيعة كلّها. فكيف يمكن أن
تكون النجسةُ بتولاً ؟ يا مَن تهربين من الزواج على أنه دنس، تصبحين
أنت حين تهربين منه، أكثر الأنجاس في العالم، وتجعلين البتولية أشنع من
الزنى" (في البتولية، ص 114-115).
ويقابل بوحنا هذه البتول مع اليهود. إنها تختلف عنهم، لأنهم "يكرّمون
الزواج". إنها ترفض سماع كلام المسيح بفم الرسول : "الزواج مكرّم عند
حميع الناس، والفراش الزوجي طاهر" (عب 13/4).
3 – غاية الزواج
يتوجّه يوحنا الذهبي الفم إلى المتزوجين فيقول : "إن الزواج لم يؤسّس
لأجل الزنى والفحش، بل، بالعكس، ليحفظ منهما". ويتوجه إلى المتزوجين
مستشهداً بقول بولس الرسول : "تجنبا للزنى، فليكن لكل واحد امرأته،
ولكل واحدة رجلها" (1 قور 7: 2)، مما يعني أن الجديد في الخلقية
المسيحية أن يكون الزواج عطاء متبادلاً بين رجل وامرأة واحدة، فلا
تعدّد أزواج ولا تعدّد زيجات. "فالزواج إنما وُضع بنظر بوحنا، لسببين:
الأول هو ضبط الميل الجنسي وتعديله، والثاني إنجاب البنين". "ويرى أن
السبب الأول هو الأهم". ولهذا فإن السبب الأول للزواج هو ضبط الميل
الجنسي. "وعلى هذا يضيف فم الذهب، فلا يكون للزواج من غاية سوى اجتناب
الزنى، ولهذه الغاية وُضع الزواج قبل غيرها من الغايات".
ويتوسّع الذهبي الفم بالتشهير بالزنا.
3 - التشهير
بالزنا
يميّز يوحنا الذهبي الفم بين من يأتي بغيا قبل زواجه ومَن يأتي بغيا
بعد زواجه. "ففي الحالة الأولى يُسمّى فعله بغاء، وأما في الحالة
الثانية فيسمّى زنى (خيانة زوجيّة). ويقول بأن كثيرين "يتصوّرون أنّ لا
فعل زنى إلاّ في أن تَجرّ إلى الخطيئة امرأةً متزوجة". أما يوحنا فيقول
لهم "إن أي رجل، كان متزوجًا، ينشئ علاقة محرمة مع أنثى غير متزوّجة،
وإن تكن بنت عمومية، أو خادمة بسيطة، أو أي امرأة، هذا الرجل يقترف
الزنا". ويضيف بـ"إن طائلة الزنا تقع على الاثنين معًا، الزاني
والزانية"، لـ"أن الناموس الإلهي ينظر إلى الاثنين نظرة واحدة ويجرّم
الاثنين بجريمة واحدة هي جريمة الزنا".
ويكرّر يوحنا الاستشهاد بالقديس بولس الذي يقول : "لتُعْْطَي المرأةُ
حقَّها". ويشرح يوحنا قائلاً إن بولس لا يعني الرأسمال، ولا الإنفاق
عليها في الملبس وباقي المصاريف، ولا المآدب الفخمة، والنزهات الرائعة،
ولا توفير الخدم. ويتصوّر يوحنا بولسَ يجيب أنه يعني إكتفاء الزوج
بامرأته، والمحافظة على الطهارة (الزوجية)، لـ "أن جسد الرجل ليس ملكه،
بل ملك امرأته. فيجب عليه أن يحفظه سالمًا نقيًا صحيحًا غير مدنّس كأنه
أمانة ووديعة. ويضيف قول الرسول : "إن جسد المرأة ليس ملكًا لها بل
لرجلها".
4 – للمحافظة على
الأمانة الزوجيّة
أ – ينصح الذهبيُّ الفم مَن تجتذبه بغيّ وتشتهي جسده أن يقول لها : "إن
جسدي لا يخصني، بل يخص زوجتي، وليس لي حق التصرف به، وليس لي أن أسلّمه
لغيرها. وهكذا يجب أن تفعل المرأة. وفي هذا تكون المساواة كاملة، "لأن
الأمر أمر طهارة وأمانة، فليس من فرقٍ بين الرجل والمرأة. الرجل ليس له
أي فضيلة وأي شفاعة، ويعاقَب كالمرأة إذا هو خرق قوانين الزواج"، وإذا
أساء إلى الطهارة الزوجيّة فإنما يسيء "إلى الله الذي أنشأ الزواج".
فخطيئة الزنا "تلقي بذور الخراب والدمار في الحياة البيتية فكما أنه
مستحيل على الرجل الأمين والمحافظ على الطهارة الروحيّة أن يهمل زوجته
أو أن يحتقرها، كذلك يستحيل على الرجل الدنس الخائن العهد الزوجي أن
يحب زوجته ويؤثرها، ولو كانت أجمل نساء العالم.
ب – "وإذا ألهب فيك نظرُك إلى امرأة أخرى، شهوةً رديئة وعمل على إخفاء
حبك لامرأتك، فادخل مخدعك، وافتح الكتاب المقدس، وانظر في ما قال
القديس بولس الرسول. فلا تعود شهوة رديئة تغزو قلبك".
ج – وإذا داخلكم، على الرغم منكم، سوء الظن بنسائكم، فاعملوا كل ما في
وسعكم، لكي تمحوه من مخيلتكم، وأن تؤكدوا الطمأنينة في أنفس نسائكم.
وتأكدوا أنه في حالة إساءتهنّ الظنّ بكم، فليس الحقد والكراهية هما
اللذان يسيّرانهنّ عندئذٍ، بل مخاوفهنّ وقلقهنّ على كنزهنّ الخاص. لأن
أجسادكم أثمن ملك لديهنّ".
د – اعتبار الأمراض التي يقع فيها المتهتكون.
هـ - الخوف من أن يصبح غير الأمين للزواج "مهزلة وأحدوثة أهل المدينة
كلها".
و – واعتبار "الأموال الطائلة التي ينفقها المتهتكون على الغواني
ودلالهن ومجونهن ومتطلّباتهنّ".
ز – "ما كنت لتتحمل من زوجك كلامًا بسيطًا. وها أنت الآن تقبِّل رجلي
الزانية التي تواجهك بالصفعة على وجهك".
ح – وعي الازدواجيّة بين عدم الاستحياء من الله والتلفّظ باسم الله
والدخول الى الكنيسة.
ط – وجوب تحاشي ملذات تجرّ إلى الهلاك، "في حين أن السعادة الأبديّة
إلى جانبك تفتح لك أحضانها". "فإذا كنت تطلب سعادة في هذه الدنيا، فإن
أماكن الدعارة يجب ألاّ تخطر على بالك. فهل من أخلاق أحطّ من أخلاق
أهلها ؟ وحين يكون إلى جانبك نبع نظيف، فلمَ تسعى إلى الينابيع العكرة
الفاسدة ؟"
ختامًا، ينصح يوحنا سائليه وسامعيه وجميع المتزوجين بأن يتذكّروا
ويكرّروا بعضهم لبعض كلام بولس الرسول : "ليَقضِ الرجلُ المرأةَ حقها
وكذلك المرأة لتخضع لرجلها. جسد المرأة ليس ملكًا لها، بل هو ملك
لزوجها. وكذلك الرجل، ليس جسده ملكًا له، بل هو ملك لامرأته". يقول
يوحنا : "كرّروا هذه الأقوال بكلّ مناسبة وفي كلّ مكان، في السوق
والبيت، في الليل والنهار، وعلى المائدة وفي سرير النوم. كرروها
لأنفسكم وردّدوها أمام نسائكم، ولتذكِّركم بها نساؤكم، حتى إذا عشتم
عيشة طاهرة على الأرض تبلغوا إلى الملكوت السماوي".
"إن الزواج هو منبع السعادة لمَن يحيا حياة مسيحيّة. وهي على العكس
منبع شقاء وتعاسة لمن يسيء استعماله. والزواج قد يكون لك ميناءَ نجاة،
وقد يكون لك بحراً متلاطمًا للغرق. والزواج بصيغته حسن، ولا يصبح سيئًا
إلاّ بإساءة استعماله".
وحين يريد أحد أن يتزوّج يجب أن يتقيّد بتعاليم بولس، بل بالأحرى
بتعاليم المسيح.
5 – وللزواج صليب
يقول يوحنا الذهبي الفم مستشهداً بالقديس بولس : "إن كلّ اللواتي
يتزوجن يلاقين كل شدائد الزواج ومحناته". ويترك للمؤمنين أن يعدّدوها
لأنفسهم : "آلام الحمل والولادة، والاهتمام بالأولاد، والقلق والهموم
من كل نوع، والأمراض، والموت المبكّر، والنزاعات والخصومات، ومماشاة
كلّ الاهواء والأذواق، والمسؤوليّة عن أخطاء الغير وتراكم آلاف الآلام
والأحزان". ويضيف : "كلّ هذه الاعتبارات يجب أن تقنعكم بالاكتفاء
بامرأة زواجكم الوحيد".
ويخلص يوحنا إلى القول : "فلنهرب إذاً من الدنس، سواء أكنا متزوجين أم
غير متزوجين ! ويضيف "لو أن جميع الناس يجهلون سلوكك، فلن تعرف مع هذا،
كيف تتخلّص من شعورك بالخجل تجاه دنسك؟ "لأن هذه اللحظة لو كانت لاحقة
بالجسد فقط، لكان الماء وحده كافيًا لمحوها. ولكن النفس هي التي توسّخت.
ففي ماء الدموع والتنهدات من أعماق القلب، بالندامة الصادقة، والصلوات
الحارة، والحسنات الكثيرة، وفي قطع العهد على عدم العودة إلى الوقوع
فيها.
6 – الاستعداد
للزواج
يكشف يوحنا الذهبي الفم للذين يريدون أن يدخلوا في الزواج، أيّ تهيّؤ
جادّ يجب أن يتهيّأوا له ليدخلوا إلى الزواج. "إن البيت الذي تشتريه،
تستطيع أن تبيعه أو تبدله إذا لم يعجبك، ولكنك حالما تعقد الزواج على
ابنة فلن تستطيع أن تبدلها أو تردها إلى أهلها، ولا تستطيع أن تنفصل
عنها أبداً.
فحين تريد أن تتزوج، إقرأ أولاً الناموس المسيحي، لأنه بحسب هذا
الناموس يحاكمك الله.
"وحين يريد أحدكم أن يعقد زواجًا، فسرعان ما يذهب إلى المحامين، ويجلس
في مكاتبهم، يستفهم منهم بدقة عن كل ما يحدث في ما لو ماتت المرأة بغير
أولاد، أو تركت ولداً واحداً أو اثنين أو ثلاثة، وعم ماذا تعمل
بأموالها إذا كان لها أب حيّ، أو لم يكن لها، وتسأل عمّا يصيب إخوتها
وما يصيب زوجها من مالها، وفي حالة عودة كل أموالها إلى زوجها، أو في
حالة عدم ثبوت الحق لزوجها بشيء".
لأجل هذا يوحي يوحنا المؤمنين وينصحهم إذا ارادوا الزواج، بأن يذهبوا
ويطلبوا القديس بولس الرسول، وأن يستوضحوا منه القوانين الحقيقيّة
للزواج.
ويضيف يوحنا قول الرسول بولس : "إن هذا السرّ لعظيم هو". ويشرح : "رأى
القديس بولس الماضي الطويل يذوي ويمحي ويختفي في ساعة الزواج، فتيقن
أنّ هناك شيئًا يتجاوز حدود التصوّر. ويتوجّه إلى سامعيه فيقول :
"الآن، وقد عرفتم عظمة السرّ الذي في الزواج، وعرفتم ذاك الاتحاد
السامي الذي يخلقه بين الزوجين، فعليكم أن تقدروه قدره، وألا تنظروا
إليه كمعاملة مادية ماليّة، فالزواج ليس تجارة بيع وشراء، بل هو تجارة
حياة".
وإذ سمع يوحنا من الناس مَن يقولون : إن فلان كان فقيراً فصيّره الزواج
غنيًا. لقد تزوج من امرأة غنيّة، فهو الآن ينعم بالغنى ورغد العيش !
ينعت هؤلاء القائلين بالجهلة : "ايها الجاهل، أو هل تريد أن يكون لك
الزواج مهنة يدرّ عليك مالاً ؟".
7 – موقف يوحنا
عن الطلاق
حسب عادته يبدأ يوحنا بسرد كلام بولس الرسول : "المرأة مرتبطة بالشريعة
ما دام رجلها حيًا. فإذا مات رجلها فهي حرّة أن تتزوّج مَن أرادت بموجب
الناموس" (1 قور 7: 39-40). ويقول إنه إذا اتبع بولس، فإنما يتبع
المسيح نفسه، لأن الرسول استوحى ما قاله وما كتبه من يسوع المسيح.
فيجب على الزوجة، في حياة زوجها، ألا تنفصل عنه. ويرجو يوحنا سائليه أن
يلاحظوا جيداً مدلول العبارات التي يستعملها بولس الرسول. لا يقول إنه
يجب عليها أن تسكن مع زوجها، ما دام زوجها حيًا. ولكنه قال : "إنها
مرتبطة بالشريعة ما دام زوجها حيًا". فقد يحصل حادث طلاق، وقد تكون
منفصلة بالجسد، ولكنها على كل حال "مرتبطة بالناموس". وإذا عاشت مع رجل
آخر، فهي بحالة زنى. وإذا أراد الرجل أن يطرد امرأته، أو إذا أرادت
المرأة أن تهجر رجلها، فليتذكر كل منهما قول القديس بولس : "المرأة
مرتبطة بالشريعة، ما دام زوجها حيًا". "ومن يأخذ امرأة متزوجة يقترف
الزنا" (متى 5: 32).
ويتساءل يوحنا : "متى تُرى يمكن عقد زواج آخر . يجيب : حين موت الزوج.
فهي حرّة بعد ذلك في أن تتزوّج من تشاء.
ويقول يوحنا : "لا تعارضوني بالقانون المدني الذي يسمح لكم أن تُحدِثوا
سببًا للطلاق وتطلقوا نساءكم، إذ ليس بحسب هذا الناموس (المدني)،
ستدافعون أمام الله في اليوم الأخير، بل بحسب الناموس الذي وضعه الله".
وإذا اعترض الناس وقالوا ليوحنا : "وما رأيك في موسى الذي كان يسمح
بالطلاق"، فجاوبه عن هذا يكون بلسان المسيح : "إذا لم يزد برّكم على
برّ الكتبة والفريسيّين، فلن تدخلوا ملكوت السماوات" (متى 5: 20).
وبلسان المسيح الذي قال بعد هذا : "مَن تزوج مطلقة فقد زنى" (متى 5:
32). هذا وقد سمح موسى بالطلاق "إرضاءً لغرائز اليهود الضعيفة". "ولم
يكن في البدء هكذا" (متى 19: 8). ويفسّر يوحنا قول المسيح هذا "لو لم
يكن الامر هكذا، لكان الله خلق بعد آدم، امرأتين، ليطلّق واحدة ويستعيض
عنها بالأخرى". ويضيف بأن ناموس الخالق "اقدم من ناموس الطلاق، أقدم من
مذهب موسى". ويستشهد يوحنا بموسى نفسه حيث يقول : إذا خرجت المرأة من
بيت زوجها، وصارت لرجل آخر، والآخر كتب لها كتاب طلاق، فليس لرجلها
الأول الذي طلقها أن يعود ويأخذها بعدما تدنست" (تث 24: 2-4). فقول
موسى هذا يبيّن "أنّ الزواج الثاني، بعد الطلاق، لم يكن في نظره
حقيقيًا. وعبارة موسى "بعد أن تدنّست"، أي صارت لآخر غير زوجها، تدلّ
على أنّ الزواج الثاني إنّما كان دنسًا وليس زواجًا. ولهذا لم يعقل
"بعدما تزوجت" بل "بعدما تدنّست".
ويستند يوحنا إلى الأنتروبولوجيا الدينية فيقول للرجل والمرأة :" هو
الخالق الواحد الذي خلقكما كليكما من العدم". فهذا السبب العميق يكفي
لكي تحفظ المحبة ويعني يوحنا طبعًا "الحب الزوجي غير المنفصم". لذا
"ليمتنع كل واحد عن ترك امرأته والتزوج من امرأة مطلّقة".
ويسأل مؤيّد الطلاق : "كيف تشعر بذاتك حين تتزوج بامرأة متزوجة، ويكون
أمام عينيك شخص زوجها الحي باستمرار"؟ ويضيف يوحنا : "يا له من جنون
مطلق يقع فيه الإنسان عمداً ! وذلك بأن يكون لديه المجال مفسوحًا بأن
يعيش في زيجة طاهرة ومرتاح الضمير، فيتكرّس في تلك الزيجة المحرّمة،
معطلاً أعمال بيته، مضرمًا في كل مكان نار الحقد ضده، ومستنزلاً على
نفسه اللعنات من كل الافواه، وجالبًا على نفسه القضاء الأخير.
وفعلاً ماذا سيجيب ذاك الإنسان قاضيَ التمييز، الله القائل له : "كنتُ
قد منعتك من أن تتّخذ امرأة منفصلة عن زوجها، وكنتُ قد قلتُ لك إن ذاك
العمل هو زنا. فكيف تجرأت إذاً أن تعقد مثل ذلك الزواج المحرّم ؟ ستقاد
"موثقًا" إلى نار جهنّم لتجتمع فيها إلى الزناة والزواني، وكل الذين لم
يحترموا حقوق الزواج. لأن كل الذين يطلِّقون زوجاتهم، والذين تزوجوا
بالمطلقات، سيذهبون إلى النار الأبديّة.
ويضيف يوحنا قائلاً : "إن كان بولس لا يوافق إلا بأسف على أن يسمح
للأرملة أن تتزوج بعد وفاة زوجها، فعلى اي مستند يستند الرجل الذي
يُقدِم على أن يتّخذ المرأة وزوجُها حيّ ؟ فأي عذر يكون لأولئك الذين
يتزوجون بالنساء المطلقات غير عذر الرجال المتزوجين الذين يركضون وراء
النساء العموميات ؟ وقل الشيء ذاته في امرأة متزوّجة تتّخذ رجلاً غير
متزوّج، عبداً كان أم حراً، فإنها تقع في الزنا، كالرجل المتزوج الذي
يزني مع امرأة غير متزوجة بغيًا كانت أم امرأة أخرى. فمن أجل اجتناب
الزنى أعطاك الله الزواج.
ويستطرد الذهبي الفم ذاكراً ومذكّراً بجماعات الرجال الآخرين الذين لهم
الحواس نفسها والشهوة الجنسيّة نفسها، "ويبقى كلّ واحد أمينًا لزوجته
محبًا لها، فأي عذر تقدّم عن نفسك أنت ؟". هذه أمثلة من حياة المتزوجين
الطبيعيّة. "أليس حولك رجال يعيشون حياة البتوليّة الدائمة لا يعرفون
الزواج ؟ وحين تجد حولك كثيرين يستطيعون أن يمارسوا حياة الطهارة بدون
اعتماد على الزواج، فاي عذر تقدمه عن ذاتك، وأنت الساعي، بعد الزواج،
إلى الزنا والفسق والفجور ؟".
ويذكّر يوحنا بقصّة ما جرى في قورنتس، أعني قصّة ذلك العضو من أعضاء
الكنيسة الذي تدنّس بالزنا. لم يُقطع من جسد الكنيسة، بل عولج شيئًا
فشيئًا حتى تعافى. ويقول للرجل المؤمن : "هذا ما يجب أن تفعله مع
امرأتك. إذا كان فيها عيب تذكره عليها فليس يقتضي الامر صرفها
وتطليقها، بل معالجتها".
ويضيف : "حين تكون الطبيعة هي التي حرمتك من عضو، ولا يعود ممكنًا
استعماله أو الاستفادة منه، ترضى بذلك الواقع وتقبله، ولكن حين يكون
هناك اعوجاج خلقي، يتطلّب لتقويمه، إرادةً صالحة وصارمة فقط، ويمكنك
بالتالي أن تقوّم ذلك الإعوجاج فلا ترضى بذلك !".
ولا يطلب يوحنا من الزواج سوى شيء واحد، أعني فضائل النفس، والصفات
الأخلاقيّة، حتى يسود السلام في بيوتنا، ونقضي فيها حياتنا في وحدة
تامة، وحدة في الأخطار والعواصف. ولم يكن الزواج ليملأ البيت مشاجرات
ومهاجمات وقتالاً واشتباكات. ولم يكن الزواج ليقيم في البيت حزبين
متناظرين، وليجعل حياتنا لا تُطاق، بل إنما جُعل الزواج ليكون لنا
عونًا في الحياة، وليكون لنا ميناء ضدّ العواصف، وملجأ في الأعاصير،
وتعزية في الآلام. "جعل الزواج ليعطينا السعادة".
وينصح يوحنا الرجال بأن لا يفحصوا "في اختيار الزوجة عن أموالها، بل عن
أخلاقها. هل هي أهل للزواج ؟". يجب أن يحسنوا "اختيار المرأة التقية
الحكيمة الصالحة للزواج". وعلى هذا النحو إذا توطّدت بين الاثنين محبة
رصينة وعميقة فلا يمرّ بينهما حتى خاطر الطلاق الفاسد، ولا حتى فكرة
الطلاق نفسها تطرق فكر من يحبّ امرأته حقيقةً، ويحميها دائمًا بعطفه
وحنوّه".
ويختم يوحنا الذهبي الفم عظته متمنيًا على الناس أن يجعلوا أعراسهم
واحتفالاتهم، يوم الزواج، تضيء بالبساطة والحشمة وأدب الكتاب المقدس.
وأن يدعوا الله إلى أعراسهم ويجعلوه سيّد زواجهم. وإذا هم عرفوا أن
ينظّموا وحدتهم في الزواج، فلا يمكنهم أن يخافوا طلاقًا وانفصالاً، ولا
فرصة للخصام والنزاع.
ثانياً : العيلة
في كتابات القديس يوحنا فم الذهب
يتجاوب يوحنا مع قول الله في التكوين : "إنموا واكثروا واملأوا الأرض"
(تك 1: 28). "فإن لم يكن الاثنان واحداً، لن يصيرا كثيرين. ولكن إن
اتحدا صارا عدداً كبيرا"ً. ويعقب قائلاً بأن "الرغبة في إقامة النسل"
كانت تُفهم قبلاً بـ"أن كل واحد كان يريد أن يترك ذكراً وأثراً لحياته
الخاصة حين لم تكن مسألة القيامة موجودة". وحين كان يبدو كأن كل شيء
ينتهي بالموت، وحين كان المائت لا يرى شيئًا باقيًا بعد هذه الحياة،
حينذاك أعطى الله هذه التعزية بأن يكون للإنسان أولاد يكونون صورة
للراحلين، ويحفظون الجنس البشري، ويقدّمون للذين على حافة الموت
ولأقاربهم فرح الحياة بأعقابهم". ويضيف فم الذهب "أما الآن، وقد أشرق
علينا نور القيامة... لم يعد لإقامة النسل ذات الأهميّة".
"إنك، إذا أردت أن تُبقي أثراً وذكراً لمرورك في هذا العالم، يوجد
اليوم وسيلة لخلودك، وهي الولادات الروحيّة، الولادات الاسمى، وتستطيع
أن تربي للايام الأخيرة من شيخوختك أولاداً وتتركهم بعدك ويكونون لك
سنداً وفخراً".
وفي مقاله "حول المجد الباطل وتربية الأولاد" (SC 125, Ch 17) يدعو
الاهل لأن ينقلوا إلى أولادهم غنى النفس قبل غنى العالم. قال : "لا شيء
يكبح فساد العالم، لأن أحداً لا يحفظ أولاده، ولا يكلّمهم عن العفّة،
عن احتقار الغنى والأمجاد الباطلة أو عن وصايا الله".
حين يتمسّك الإنسان بالقوانين مُخلِصًا، يجد في عائلته وبالقرب من
امرأته الهدوء في الاضطراب، والتعزية في التعاسة. وعلى العكس، إذا لم
يكن له من الزواج إلا الاسم فلا يجد من عائلته إلا الجحيم.
ويَنْعَت يوحنا الذهبي الفم مَن يقع في ورطة الطلاق أو يبرّره أو
يجيزه، بالوقوع في جنونٍ مطبق، وذلك بأنه بفعله "يزرع بذور حربٍ في قلب
عائلته".
ويرى يوحنا من بين شدائد الزواج وحسناته : "آلام الحمل والولادة،
والاهتمام بالأولاد". والأرملة التي تحافظ على عهد زوجها الميت، فلا
ترتبط برجل غيره، "تكرّس وقتها واهتمامها لأولادها، وتستنزل بهذا العمل
بركات غزيرة.
ويوصي الذهبي الفم المؤمنين، إذا أرادوا الزواج، أن يسألوا بولس الرسول
ما يجب أن يفعلوا حين حصول الرذائل التي تسبّب المشاكل البيتيّة. وينصح
يوحنا بـ"الاحتياط قبل الزواج، في التفتيش عن المرأة التي يكون بين
طباعك وطباعها توافق، الامرأة الطيبة الكريمة المطيعة". ويستشهد بقول
بولس "أيّها الرجال، أحبّوا نساءكم، أحبوهنّ كما المسيح أحبّ الكنيسة"
(اف 5: 25) : غسلها وطهَّرها وألبسها أبهى الثياب. هكذا يجب على
المسيحي أن يصفح عن امرأته ويتناسى اخطاءها. "هل فيها عيوب أخلاقيّة؟
يجب أن تفعل كل ما بوسعك لكي تقوّم اعوجاجها وتصلحها كما فعل المسيح
بكنيسته".
قال بولس "لتخضع النساء لأزواجهنّ كما للربّ". يسأل يوحنا : "لماذا؟".
ويجيب "لأنه حين يكون التناغم بينهما، يتربّى الأولاد التربية الصالحة،
ويكون النظام بين الخدم، والجيران والأصدقاء والأقارب يتنشّقون العطر
المحيي الذي ينبعث من هذه الأسرة. أما رفيقة حياتك، وأمّ أولادك، وسبب
سعادتك الحقيقيّة، فلا تحاول أن تقيّدها بالخوف والتهديد، بل أن تأمرها
بالحب والعطف".
1 – الآباء والبنون
ينطلق الذهبي الفم أيضًا من الرسالة إلى أفسس : "أيها الأبناء،
أطيعوا والديكم، فهذا عين الصواب : أكرم أباك وأمّك" (6: 1-2). يقول
يوحنا : "الآن، انتقل بولس إلى العنصر الثالث في الاسرة، الأولاد.
الرجل يأمر المرأة، والرجل والمرأة يأمران الأولاد". وعلى الأولاد أن
يطيعوا والديهم. وحين يتوافق الرجل والمرأة، "يخضع الأولاد بدون صعوبة
كبرى". على الأولاد أن يطيعوا والديهم "في الرب"، أي بحسب الرب، "في ما
لا يشمل إغاظة الرب".
2 – واجبات الوالدين
يستشهد يوحنا أيضًا ببولس بتوجّهه إلى الوالدين : "وأنتم أيها الآباء،
لا تُغضبوا أولادكم، بل ربّوهم بتأديب الربّ ونصحه" (أف 6: 4).
ويعقّب يوحنا قائلاً إن بولس ما اهتمّ بأن يقول للوالدين : أحبوا
أولادكم. فهي عاطفة تفرضها الطبيعة عليهم، بالرغم منهم. قال : "لا
تغضبوا أولادكم". هذا ما يعمله الكثيرون حين يستبعدونهم من الميراث،
حين ينكرونهم، حين يعاملونهم مثل عبيد ساقطين، لا مثل أشخاص أحرار.
"أتريد لك ابنًا طائعًا، ربّه منذ البداية في التقوى ومعرفة الرب، فلا
تحسب أن لا فائدة من إسماعه الكتب المقدسة. فيسمع أولاً : "أكرم أباك
وأمك".
3 – تربية في علم الرب
يقول القديس العظيم : نربّي أولادنا في التأديب وفي علم الربّ؛ ونهتمّ
بأن يقرأوا، منذ صغرهم، وباستمرار، الأسفار المقدسة. ويطلب من النساء
أن يقتدين بتلك النساء العجيبات : "ولد لك ولد، سيري في خطى أم صموئيل؟
أنظري كيف كان سلوكها". أخذته إلى الهيكل. "فهل هناك فيكنّ واحدة لا
تحبّ أن ترى ابنها يصير كصموئيل، بدلاً أن تراه يملك على العالم ؟".
قدمت حنة الباكورة، "فصار حشاها خصبًا، وكان لها أولاد آخرون". يستنتج
يوحنا : "نجعل فوق كلّ شيء العناية بالأولاد وتربيهم "في التأديب وعلم
الرب".
ففي وسط زواج مذخّر بالفضائل، "يمكن تنشئة الأولاد بسهولة في الفضيلة".
وحين تسكب المرأة قلب زوجها تجد فيه العون الحاضر والمتفاني في سبيل
تربية أولاده، وتستنزل كل بركات السماء من أجل نموّهم وتقدمهم. وإذا
كان الله هو الذي يسود في العائلة، ويهيمن على تربية الأولاد، فلن يعرف
التفكير سبيلاً إلى سلام البيت وسعادة العائلة.
"وهكذا يستطيع الرجل، مع امرأته وأولاده وكلّ أهل بيته أن يقضوا حياة
هادئة على الأرض وأن يصلوا إلى الملكوت السماوي".
الخاتمة
تلك كانت نظرة سريعة للزواج والعيلة عند يوحنا الذهبي الفم. ففي
خطى بولس الرسول شدّد على وحدة الزواج وترابط الحياة الزوجيّة
وصعوباتها والأمانة الزوجيّة. ونلاحظ أن الأخطار التي تحدّث عنها ما
زالت ظاهرة في أيامنا. ونفهم من يوحنا أهميّة تربية أولادنا، كما نفهم
أهميّة الوفاق في العيلة من أجل خير الأفراد، ومن أجل الاشعاع الروحي
كمؤمنين في عالم يعيش فيه الكثيرون من معاصرينا الروح الوثنيّة وكأن
الله غير موجود، فيتوقفون عند الجسد واحتياجاته وينسون أن يرفعوا
رؤوسهم "إلى فوق". أما "علم الله" فهو الذي يلقي الضوء على ما يأخذه
أولادنا من علوم. حينها تتحلّى شخصيتهم بالاتّزان، فيرضون الله
ويُفرحون قلب والديهم، ويكونون أملاً للعيلة وللمجتمع والكنيسة
والملكوت.
المراجع
ـ يوحنا الذهبي الفم، في الكهنوت. أحاديث عن الزواج. الرسائل إلى
أولمبيا، تعريب الأسقف استفانوس حدّاد، منشورات النور.
ـ بولس الفغالي، "وجه العائلة عند الذهبي الفم"، في المجلّة
الكهنوتيّة، 36 (2006)، ص 31-48.
- A. WENGER, « St Jean Chrysostome », dans
Dictionnaire de spiritualité, Paris, 1974, col. 343-348.
- Jean CHRYSOSTOME, Sur le mariage, P.G.
51, 2008, 208-241.
|
|