الاحتفالية الخاصة بالذكرى 1600 على رقاد القديس يوحنا الذهبي الفم .... مجلس رؤساء الطوائف المسيحية بحلب


بمناسبة احتفالية 1600 سنة لرقاد الذهبي الفم

رحلة الحج إلى أنطاكية 

تتوجت الاحتفالات بمناسبة احتفالية 1600 سنة لرقاد الذهبي الفم برحلة حج مسكونية من رعايا حلب، وذلك كما كان مقرراً في برنامج الاحتفالية ،تميّزت مشاركة أبرشية الروم الأرثوذكس بهذا الحج وبلغ عدد أبنائنا المشاركين 200 زائر من أصل الـ250 مشارك .
انطلقت الباصات باكراً من يوم السبت 27 تشرين الأول ، وكان اهتمام الدولة التركية مميزاً ومشكوراً. فقد منحت الحكومة التركية الـVisa مجاناً للمشاركين وقامت بتسهيلات عديدة على الحدود ورافقت الموكبَ سياراتٌ رسمية تركية من الشرطة والإسعاف.
ابتدأ الاحتفال الساعة 10.00 صباحاً بصلاة تضمنت ترانيم للذهبي الفم. شارك من مطارنة حلب بالإضافة إلى راعي الأبرشية كل من المطارنة: يوحنا جنبرت (روم كاثوليك)، أنيس أبي عاد (الموارنة)، بطرس مرياتي (أرمن كاثوليك)، كما شارك الأسقف Pavoolece مطران اللاتين في اسكندرون.
ألقى العظة راعي أبرشية الروم الأرثوذكس بحلب المطران بولس يازجي وتلخصت حول ميزات مدينة أنطاكية وشعبها، ثم فرادة القديس يوحنا فم الذهب، وأخيراً المعنى المسكوني لهذا الحج في سبيل الصلاة من أجل الوحدة المسيحية والسعي إليها.
شارك في الاحتفال المطران سرجيوس عبد مطران الروم الأرثوذكس في تشيلي. المطران سرجيوس هو من مواليد أنطاكية، ترعرع فيها ودرس في مدارسها، ثم في حلب، وبعدها البلمند، وهو يخدم الآن مطراناً للتشيلي.
يكمل المطران سرجيوس في مثل هذا اليوم (27/10) 50 سنة لكهنوته و20 سنة لأسقفيته.
احتفل الجميع بهذه الذكرى، وقدم راعي الأبرشية باسم جميع مطارنة حلب وباسم الرعية الانطاكية التي ينحدر منها سيادة المطران سرجيوس، انغولبيون هدية تذكارية لهذه المناسبة.
ثم ألقى المطران سرجيوس كلمةً شَكر فيها راعي الأبرشية والسادة المطارنة والرعية على هذا التكريم المفاجئ وعبّر عن بالغ تأثّره، رافعاً الدعاء لهذه الرعية بالاستمرار والتقدم.
بعد القداس، زار الحجاج كنيسة القديس بطرس St.Pierre في الجبل، ثم زاروا المتحف الوطني لأنطاكية.
تناول السادة المطارنة ومرافقوهم الغداء بدعوةٍ من راعي الأبرشية في صالون الكنيسة، وكرر سيادته شكره للمطارنة المشاركين.
قدّم راعي الأبرشية لكنيسة أنطاكية هدية تذكارية لهذه الاحتفالية، أيقونة (150×250) للذهبي الفم راعي كنيسة أنطاكية. تصور الأيقونة مدينة أنطاكية فيبدو جبلها الشهير وكنيسة St.Pierre التاريخية عليه، وفي الأسفل عند سفحه في المدينة تظهر كنيسة الرعية (القديسين بطرس وبولس مؤسسي الكرسي الانطاكي)، ويقف القديس فم الذهب بردائه الأسقفي وهو يشفع بالمدينة ويحمل ملفاً مكتوبة عليه بداية عظته الشهيرة، التي كان قد ألقاها عندما أنقذ المدينة من أمر الامبرطور بحرقها وقتل سكانها: "أين المتشامخين...، لم يُنقِذ الشعب إلا من لهم حكمة الصليب، النساك".
رسمَ الأيقونة راهبات دير سيدة البشارة للروم الأرثوذكس في حلب. وتتميز الأيقونة بفرادتها وإبداعها لتصوير الحدث، وبفنها العالي وجمالها.

"الشكر لله على كلِّ شيء"
عظة صاحب السيادة المطران بولس يازجي مطران حلب للروم الارثوذكس في كنيسة القديسين بطرس وبولس للروم الأرثوذكس في أنطاكية، بمناسبة الحج المسكوني في نهاية الاحتفالية بـ1600 سنة على رقاد الذهبي الفم
"الحمد لله على كل شيء"! هذه آية سامية صرخها الذهبي الفم وهو يحتضر، وهو منفيٌّ، وهو مظلومٌ من الناس، معذَّبٌ ومتألمٌ يموت من الألم! ولقد اختارت اللجنة المنظمة للاحتفالية هذه العبارة شعاراً للاحتفالية.
صلى الذهبي الفم هذه الكلمات الشكرية وهو في أقصى حالات الظلم والضعف، فكم بالحريّ يعلمنا أن نصليها في حالات النعمة وعلى خيراتٍ كثيرة؟ الحمد والشكر لله أولاً لأننا في أنطاكية. الشكر لله الذي أهلنا أن نحجَّ إلى هذه المدينة الشهيرة في تاريخ المسيحية.
أنطاكية المدينة المسيحية الثانية بعد أورشليم. لقد وُلدت المسيحية بين اليهود فقط في أورشليم. لكن المسيحية انطلقت للدنيا كلها من انطاكيا، ووُلدت للعالم أجمع فيها. وسميت أنطاكية، "مدينة الله العظمى" ولقّبها بهذا الاسم لأول مرة الامبرطور يوستنيانوس لِما وجده فيها من كنائس ضخمةٍ وكثيرة، ومن رهبان، وتقوى، وتعلق بالحياة الروحية، والتفاف الرعية حول رعاتها الروحيين وتفاني هؤلاء من أجل رعيتهم. إن ما يصلنا من التاريخ عن أنطاكية عمرانياً وفنياً وروحياً هو إرثٌ غنيٌّ وفريدٌ جداً، وبالوقت ذاته جزءٌ من تقليدنا الروحي أساسيٌّ علينا التمسك به لنوجه على روحانيته المستقبل.
وحتى اليوم فإن أبناءنا الذين هاجروا من هذه الرعية حيثما يستوطنون، مهما بلغ عددهم أو قلّ، فإنهم قبل شراء البيت للعائلة أو افتتاح النادي للجالية فإنهم يعمرون الكنيسة، لأن حياتهم تبدأ من هناك وحولها تتمحور. إن أبناءنا الذين نزلوا من أنطاكية إلى حلب واللاذقية وفي سوريا ولبنان عامةً، يتميزون بتقواهم وتديّنهم الشديد، وهذا بعضٌ مما ورثوه من "مدينة الله العظمى" أنطاكية.
ورعيتنا هنا، اليوم، تتميز بحياتها الروحية وعيشها، لا أقول حول الكنيسة، بل في الكنيسة، إنما يدّل على هذا الإرث الروحي الحي لمدينة انطاكية.
الحمد لله ثانياً أننا نصلي اليوم في تذكار القديس يوحنا الذهبي الفم. قديسنا هو المعلم الإنطاكي الأكبر. اشتهرت أنطاكية بمدرستها اللاهوتية، التي بلور فكرها ولاهوتها الذهبي الفم بشكلٍ خاص. أهم ما ميز هذه المدرسة أمران. الأول هو أهمية الكتاب المقدس ومطالعته وتأسيس كل شيءٍ عليه، والثاني هو أن تفسير الكتاب ليس فلسفةً ومطالعتَهُ ليست تصفحّاً! مطالعة الكتاب تبدّل حياتنا. وتفسير الكتاب هو اختبار وصاياه.
لا يفهم تعليمَ الكتاب المقدس عن المحبة إلا من يحب ويبذل. ولا يفهم تعاليمَه عن الإحسان والرحمة إلا من يرحم. الفضائل خبراتٌ لا يفهمها من يطالعها وحسب، بل من يمارسها. لذلك إن مفسري الكتاب هم النساك الذين يعيشون الفضائل المسيحية بشكلها المطلق. ولهذا كانت جامعات التفسير الكتابي ليست مدراسَ الفلسفة والعلوم لكن مناسك الرهبان، وهناك تعلم الذهبي الفم شرح الكتاب، وهو المفسر المسيحي الأول للكتاب المقدس.
من هذا المنظار، الكتاب ليس مادةً للوعظ فقط، وليس مهنةً للتعليم، بل هو موقفٌ حياتي لا يتبدل. لم يعظ فم الذهب كلاماً عن الحقيقة، بل عاشها حتى عندما كلفته حياته، حتى المنفى والموت. الحمد لله الذي أهّلنا أن نكرّم هذا القديس، وهو القائل "إكرام الشهيد هو الاقتداء به".
الحمد لله والشكر ثالثاً لأننا معاً! وكما سمعنا في النص الإنجيلي عن الراعي الصالح، وهو الرب يسوع أنه يشتهي أن نكون واحداً.
الرب واحدٌ والروح واحدٌ والمعمودية واحدة، لكن أهواء البشر جعلتنا متعدّدين ومنقسمين. تاريخ المسيحية يشهد أن المسيحيين أساؤوا إلى المسيحية الواحدة والكنيسة الواحدة التي أسسها الرب يسوع وعلّم فيها فمُ الذهب.
هذا المعلم المسكونيُّ العظيم، الذي تحتفل له كل الكنائس وهو معلمٌ للكنيسة قبل الانشقاقات العديدة، يعلمنا اليوم بعد ألفي سنة تقريباً أن نعود إلى تعاليم الكنيسة في أيامه، وإلى شكل حياتها لما كانت واحدة.
الألفية الأولى ألفية الكنيسة الواحدة، الألفية الثانية ألفية الشقاقات، لنجعل إذن الألفية الثالثة ألفية الاتحاد، وعلى أساسٍ ذهبيٍّ كما للقديس يوحنا، هو كلمة الله الحية كما شرحها هو وأمثاله. لنخلع عنا الشقاقات ولنعد بالتوبة والغفران إلى بعضنا البعض، لنبني معاً كنيسة المسيح وليس كنائس بشر!
الحمد لله على زيارتنا لأنطاكية، الحمد لله أننا نصلي للذهبي الفم ومعه أيضاً في مدينته، الحمد لله أننا معاً مجتمعون فوق الطائفيات. الحمد لله على كل شيء، آمين.



 

الموقع الرسمي لاحتفالية ذكرى مرور 1600 عام على رقاد القديس يوحنا الذهبي الفم

حجز وتصميم  قنشرين